اخبار محليةالرئيسية

إلى أين تتّجه المفاوضات؟

طارق ترشيشي - الجمهورية

على وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، تتحرك المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ببطء شديد، وسط تباين عميق في الأهداف السياسية والأمنية بينهما. وفيما يتوقع البعض أن تدفع واشنطن في اتجاه تثبيت تهدئة طويلة الأمد، تبدو الهوة واسعة بين الطرح اللبناني الذي يركّز على وقف الحرب أولاً، والطروحات الإسرائيلية التي تربط أي تهدئة بتغييرات أمنية وسياسية، تتصل مباشرة بدور «حزب الله» في الجنوب.

في الأيام الأخيرة، زادت التسريبات والتصريحات الإسرائيلية من تعقيد المشهد. فقد تحدث بعض الإعلام الإسرائيلي عن تفاهمات محتملة تقوم على انسحاب الجيش الإسرائيلي مقابل نزع سلاح «حزب الله»، بالتوازي مع معلومات عن إعداد وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «خططاً تتعلق بتفكيك البنية العسكرية للحزب». وفي الوقت نفسه، واصل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس التأكيد أنّ إسرائيل ستستمر في عملياتها العسكرية «حتى تحقيق أهداف الحرب».

 

لكن التصريحات الأكثر إثارة للقلق، جاءت من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي تحدث علناً عن خطط لتشجيع الاستيطان داخل الأراضي اللبنانية، داعياً في الوقت نفسه إلى «تشجيع هجرة الفلسطينيين» من غزة والضفة الغربية. هذه المواقف، وإن كانت تصدر عن جناح اليمين القومي المتطرّف في الحكومة الإسرائيلية، فإنّها تعكس وجود تيار سياسي يعتبر الحرب فرصة لإعادة رسم الوقائع الجغرافية والسياسية في المنطقة، لا مجرد عملية أمنية محدودة.

 

في المقابل، يتمسك لبنان الرسمي، ومعه مختلف القوى السياسية الموالي منها والمعارض، بمقاربة تقوم على أولوية وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيل من المناطق المحتلة وإطلاق الأسرى وتأمين عودة النازحين، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتفعيل دور قوات «اليونيفيل» في المنطقة. غير أنّ هذا الطرح يفصل بوضوح بين إنهاء الحرب وبين النقاش الداخلي المتعلق بسلاح «حزب الله»، في اعتبار أنّ أي محاولة لربط الملفين معاً ستؤدي إلى إفشال المفاوضات منذ بدايتها.

 

«حزب الله» وحلفاؤه يتعاملون مع المسار التفاوضي بحذر شديد. فالحزب يعلن استعداده لوقف إطلاق النار إذا التزمت إسرائيل بذلك، لكنه يرفض المفاوضات المباشرة أو أي مسار سياسي يُستخدم لفرض شروط تتعلق بسلاحه الذي يعتبره شأناً داخلياً يُعالج ضمن «استراتيجية الأمن الوطني» المتفق مبدئياً عليها بينه وبين الدولة. ومن هنا، يحرص الحزب وحلفاؤه على التمييز بين القبول بتهدئة ميدانية وبين الانخراط في تسوية سياسية شاملة، قد تُفسَّر داخلياً وإقليمياً على أنّها تنازل استراتيجي.

 

وتكشف المواقف الإسرائيلية الحالية، عن وجود اتجاهين متوازيين داخل إسرائيل. الأول براغماتي ـ أمني، يدرك صعوبة استمرار الاستنزاف المفتوح في الجنوب اللبناني، ويسعى إلى إنهاء الحرب عبر ترتيبات أمنية صارمة تضمن إبعاد الخطر عن الحدود الشمالية. أما الاتجاه الثاني، وهو الأكثر تشدّداً أيديولوجياً، فيتعامل مع الحرب كفرصة لتغيير المعادلات السياسية والديموغرافية في المنطقة، سواء عبر الضغط لنزع سلاح «حزب الله» أو من خلال طرح أفكار تتعلق بالاستيطان والتهجير.

 

وهذا التناقض الداخلي الإسرائيلي يفسّر سبب الغموض الذي يحوط بالمفاوضات الحالية. فمن جهة، توحي إسرائيل بأنّها راغبة في وقف الحرب بسبب الكلفة العسكرية والاقتصادية والضغوط الدولية، لكنها من جهة أخرى تريد إنهاء الحرب وفق شروط تمنحها تفوّقاً أمنياً طويل الأمد وتغيّر قواعد الاشتباك القائمة منذ سنوات، وهو الامر الذي يرفضه لبنان.

 

لذلك، فإنّ الحديث عن «وقف الحرب» لا يعني بالضرورة الاقتراب من اتفاق فعلي. فالفجوة ما زالت واسعة بين مفهوم لبنان للتهدئة القائم على وقف النار والعودة إلى الاستقرار الحدودي وفق اتفاق 2024 والقرار 1701 واتفاقية الهدنة لعام 1949، وبين المفهوم الإسرائيلي الذي يسعى إلى إنتاج واقع أمني جديد، يحدّ جذرياً من قدرات المقاومة في الجنوب.

 

وانطلاقاً من هذه المعطيات، تبدو احتمالات الوصول إلى اتفاق نهائي على انهاء حال الحرب ضعيفة في المرحلة الحالية. فالبيئة السياسية اللبنانية لا تزال منقسمة بشدّة حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، كما أنّ المناخ الإقليمي لا يوفّر بعد ظروفاً ملائمة للتسويات المطلوبة، خصوصاً بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، فضلاً عن أنّ إسرائيل نفسها لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في ملفات الحدود والسيادة وإعادة الإعمار.

 

لذلك، فإنّ السيناريو الأكثر رجحاناً يتمثل في التوصل إلى «تفاهم مرحلي» أو «هدنة طويلة الأمد» أكثر منه تسوية نهائية. وقد يقوم هذا التفاهم الذي يفترض أن يضمنه الراعي الأميركي، على مجموعة عناصر متدرجة، أبرزها وقف متبادل ومستدام لإطلاق النار، وتوسيع انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتعزيز آليات المراقبة الدولية، مقابل انسحابات إسرائيلية تدريجية وتفاهمات غير معلنة بشأن تخفيف الوجود العسكري للمقاومة جنوب الليطاني. وهذا النوع من التسويات يقوم عادة على ما يُسمّى «الغموض البنّاء»، أي ترك بعض الملفات الحساسة خارج النصوص العلنية، بما يسمح لكل طرف بإعلان تحقيق إنجاز سياسي أو أمني، من دون الظهور بموقع المتراجع أمام جمهوره.

 

وفي هذا السياق، يبرز الدور الأميركي باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في مصير المفاوضات. فواشنطن هي الجهة الوحيدة القادرة نسبياً على مخاطبة الطرفين في آن معاً، وعلى توفير شبكة الضمانات السياسية والأمنية المطلوبة لإنجاح أي تفاهم. غير أنّ نجاح الوساطة الأميركية يبقى مرتبطاً بقدرتها على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل لوقف سياسة «التفاوض تحت النار»، لأنّ استمرارها في اعتداءاتها على لبنان يُضعف أي غطاء سياسي لبناني للتفاوض، ويمنح القوى الرافضة للمفاوضات المباشرة، حججاً إضافية تعزز موقفها. كذلك، تحتاج واشنطن إلى تقديم حوافز واضحة للبنان، سواء عبر دعم الجيش اللبناني أو عبر ربط التهدئة بخطط إعادة إعمار ومساعدات اقتصادية تساعد الدولة اللبنانية على استعادة دورها في الجنوب.

 

وفي موازاة ذلك، تبدو الإدارة الأميركية مطالبة أيضاً بضبط السقف السياسي لبعض القوى المتطرّفة داخل الحكومة الإسرائيلية، لأنّ أي محاولة لتحويل الحرب إلى مشروع تغيير جغرافي أو سياسي واسع ستؤدي عملياً إلى نسف فرص التهدئة، وربما إلى جولات حرب أكثر خطورة في المستقبل.

 

وفي أي حال، لا يبدو أنّ المنطقة تتّجه حالياً نحو حرب شاملة مفتوحة، كما لا تبدو قريبة من اتفاق امني نهائي بين لبنان وإسرائيل. والأرجح، أنّ المسار القائم سيفضي إلى تسوية أمنية تدريجية وطويلة النفس، عنوانها الأساسي: وقف مستدام للنار، وترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، ودور أميركي ضامن، مع تأجيل الملفات الأكثر حساسية إلى مرحلة سياسية لاحقة.

 

غير أنّ السؤال الأهم يبقى: هل تريد إسرائيل فعلاً إنهاء الحرب، أم أنّها تسعى فقط إلى فرض مرحلة جديدة من السيطرة الأمنية والسياسية تحت عنوان التهدئة؟ حتى الآن، تبدو الإجابة معلّقة بين منطق التسوية ومنطق المشروع التوسعي، وبين رغبة في تثبيت الاستقرار ومخاوف من أن تتحول الهدنة نفسها مقدّمة لنزاع جديد أكثر تعقيداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى