
في الزمن اللبناني المكسور، حيث اختلطت السياسة بالغريزة، والإعلام بالتجييش، والكلمة بالصراخ، بات من الصعب على الناس أن يميزوا بين من يحاول إنقاذ الوطن بالعقل، ومن يدفعه نحو الهاوية باسم الطائفة أو العصبية أو الانتقام. ففي لحظات الحروب الكبرى، لا تسقط الدول فقط تحت النار، بل تسقط أيضاً عندما تتحول المجتمعات إلى قبائل خائفة، ويصبح الخطاب العام حفلة غرائز مفتوحة على الكراهية والانهيار.
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على لبنان، لم يعد الخطر محصوراً بالصواريخ والدمار، بل تمدد إلى الداخل اللبناني نفسه؛ إلى النفوس المتعبة، والعقول المحاصرة بالخوف، والمنابر التي راحت تضخ يومياً لغة الانقسام والتحريض، حتى بدا وكأن البلاد تسير نحو حرب أهلية نفسية صامتة، أخطر من أي مواجهة عسكرية مباشرة.
في وسط هذا الجنون الجماعي، يبرز الوزير إبراهيم حنا الضاهر بوصفه واحداً من القامات النادرة التي ما زالت تؤمن أن لبنان لا يُبنى بالغريزة، بل بالحكمة، ولا يُحمى بالصراخ، بل بالعقل. فهو ليس مجرد شخصية سياسية أو فكرية عابرة، بل صاحب مشروع كياني وقومي يرى أن إنقاذ لبنان يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان اللبناني قبل أي انتماء آخر، وبإحياء فكرة الدولة كمساحة جامعة لا كساحة اشتباك دائم بين الطوائف والمخاوف.
ولعل ما يمنح هذه الشخصية عمقها الرمزي أيضاً، أن إبراهيم حنا الضاهر هو ابن بشري؛ تلك البلدة التي لم تكن يوماً مجرد جغرافيا جبلية معلّقة على كتف الأرز، بل واحدة من أهم الحواضن التاريخية للفكرة اللبنانية نفسها. فبشري، بتاريخها وثقافتها ووجدانها، شكّلت عبر العقود جزءاً من الوعي الكياني اللبناني، وكانت دائماً أكثر من بلدة معزولة في أعالي الشمال؛ كانت مساحة مقاومة ثقافية وروحية وفكرية، أنتجت رجال فكر وأدب وسياسة حملوا هاجس لبنان الكبير بوصفه رسالة حرية وتعدد وانفتاح.
ومن يعرف تاريخ بشري، يفهم جيداً لماذا يخرج منها هذا النوع من الشخصيات التي ترى في لبنان قيمة حضارية لا مجرد ساحة صراع. فمن تلك البيئة التي عاشت قسوة الجبل وصلابة البقاء، وارتبطت رمزياً بأرز الرب وبالذاكرة اللبنانية العميقة، خرجت شخصيات حملت دائماً هاجس الحفاظ على الكيان، والإيمان بأن لبنان لا يمكن أن يستمر إلا كفكرة جامعة تتجاوز العصبيات والغزائز العابرة.
لهذا لا يبدو غريباً أن يتقدم إبراهيم حنا الضاهر اليوم بخطاب عقلاني هادئ وسط هذا الضجيج اللبناني الهائل، وكأنه امتداد لتلك المدرسة اللبنانية القديمة التي كانت ترى في الحكمة شرطاً لبقاء الوطن، لا ضعفاً سياسياً. ففي اللحظة التي اندفع فيها كثيرون نحو الاستثمار بالخوف والكراهية، كان الرجل يحاول أن يفتح نافذة للنقاش والتفكير، وأن يذكّر اللبنانيين بأن الأوطان لا تُدار بمنطق الثأر، بل بمنطق الشراكة والوعي والمسؤولية التاريخية.
وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات، تصبح الحاجة إلى شخصيات من هذا النوع حاجة وطنية وجودية، لا مجرد ترف فكري. لأن المجتمعات حين تفقد عقلاءها، تتحول سريعاً إلى جماهير غاضبة يسهل قيادتها نحو الخراب. وما يميز الضاهر أنه لا يتحدث بعقلية المصفق أو المحرّض، بل بعقلية المثقف اللبناني العارف بتاريخ هذا الشرق، والمدرك أن الكيانات لا تسقط فقط بفعل الاحتلال أو العدوان، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج الحكمة.
لقد شهد لبنان، خلال سنوات طويلة، صعود طبقة كاملة من الخطابات الشعبوية التي جعلت الناس أسرى الغرائز والخوف، وحولت الإعلام والسياسة إلى مسارح تعبئة دائمة. ومع الوقت، تراجع صوت الفكر أمام ضجيج الشتائم، وتراجعت قيمة الإنسان أمام سطوة الجماعة، حتى بات اللبناني يشعر وكأنه يعيش داخل ساحة مفتوحة للانهيار النفسي والوطني.
من هنا، تبدو قيمة الوزير إبراهيم حنا الضاهر أكبر بكثير من مجرد موقع أو دور سياسي. إنه يمثل نموذجاً لبنانياً نفتقده بشدة: نموذج القامة الكيانية والقومية التي تفهم معنى لبنان الحقيقي، لا بوصفه مجرد توازن هش بين الطوائف، بل بوصفه فكرة حضارية وثقافية وإنسانية تستحق الدفاع عنها.
كم نحن بحاجة اليوم إلى أمثال هذه القامات، في زمن تتكاثر فيه الأصوات التي تتغذى على الأحقاد والانقسامات. كم نحن بحاجة إلى رجال يملكون شجاعة الحكمة، لا شجاعة التحريض. وإلى شخصيات ترى في الدولة خلاصاً، لا غنيمة. لأن لبنان، وسط هذا الخراب الكبير، لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار الحجر، بل إلى إعادة إعمار العقل اللبناني نفسه.
فالأوطان لا ينقذها أصحاب الغرائز، بل أولئك الذين يملكون القدرة على الوقوف في وجه الجنون الجماعي، ولو كانوا وحدهم. والرجال الكبار لا تُقاس قيمتهم بعدد المصفقين حولهم، بل بقدرتهم على حماية المعنى حين يفقد الجميع بوصلتهم.
ولهذا، فإن وجود شخصية مثل الوزير إبراهيم حنا الضاهر ليس تفصيلاً عابراً في المشهد اللبناني، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وفكرية، لأن لبنان، في هذا الزمن القاسي، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى حكماء يشبهونه… لا إلى غرائز تلتهمه.




