الصين وشرق أوسط ما بعد الحرب: هل يعود شبح 17 أيار إلى لبنان؟
بقلم: د. هشام الأعور

يشهد لبنان اليوم لحظة سياسية تتجاوز في خطورتها حدود المواجهة العسكرية الدائرة في الجنوب، لأن ما يجري لم يعد مجرد صراع بين إسرائيل و«حزب الله»، بل بات مرتبطاً بموقع لبنان في الشرق الأوسط الجديد وبطبيعة هويته السياسية وخياراته الاستراتيجية في المرحلة المقبلة. فالمنطقة تدخل مرحلة إعادة صياغة شاملة للتوازنات، فيما يبدو الداخل اللبناني منقسماً بين من يرى في التحولات الجارية فرصة لإعادة بناء الدولة، وبين من يتعامل معها كمدخل لإعادة إنتاج مشروع سياسي يشبه مناخات اتفاق 17 أيار، وإن بصيغ وأدوات مختلفة.
في هذا السياق، برز الخطأ القانوني والسياسي الذي ارتكبته الحكومة اللبنانية في مقاربتها للصراع القائم. فبدل أن تنطلق الدولة من تثبيت حقيقة أن لبنان يتعرض لاعتداءات إسرائيلية مستمرة، وأن الأولوية الوطنية تكمن في فرض وقف إطلاق النار وحماية السيادة اللبنانية، جاء الخطاب الرسمي مركزاً بصورة أساسية على مسألة السلاح وحصرية القرار الأمني، بما أوحى وكأن الأزمة الأساسية داخلية وليست ناتجة عن استمرار العدوان الإسرائيلي.
هذا التحول في الخطاب لم يكن تفصيلاً عابراً، لأنه منح إسرائيل فرصة سياسية وقانونية لتقديم نفسها أمام المجتمع الدولي باعتبارها دولة “تدافع عن نفسها” في مواجهة قوة مسلحة خارج سلطة الدولة اللبنانية. وهنا تكمن الخطورة الفعلية، لأن أي دولة تعلن بصورة مباشرة أو ضمنية عجزها عن السيطرة الكاملة على أراضيها أو عن ضبط قرار الحرب والسلم، تضع نفسها تلقائياً في موقع ضعيف قانونياً وسياسياً، وتفتح الباب أمام شرعنة استمرار العمليات العسكرية ضدها تحت عنوان إزالة “مصادر التهديد”.
ومن الواضح أن إسرائيل التقطت هذه اللحظة سريعاً وحاولت البناء عليها سياسياً. فتصريحات السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر لم تكن مجرد مواقف إعلامية عابرة، بل حملت مؤشرات واضحة إلى طبيعة المشروع الذي تعمل عليه تل أبيب في المرحلة المقبلة. فقد تحدث الرجل صراحة عن “نضال مشترك” بين إسرائيل ولبنان والولايات المتحدة ضد «حزب الله»، وربط بصورة مباشرة بين مستقبل لبنان وبين مسار تفكيك الحزب وإنهاء دوره العسكري والسياسي.
الأخطر في هذا الطرح أنه لم يقتصر على الجانب الأمني، بل توسع نحو رسم تصور كامل للبنان الجديد كما تريده إسرائيل: لبنان منزوع القدرة على تشكيل أي تهديد استراتيجي، مندمج في ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية جديدة تبدأ بضبط الحدود ولا تنتهي عند الحديث عن سلام كامل وعلاقات مفتوحة. وهنا تحديداً يعود إلى الواجهة شبح اتفاق 17 أيار، لا بوصفه حدثاً تاريخياً فحسب، بل كفكرة سياسية يحاول البعض إعادة إحيائها بصورة غير مباشرة، انطلاقاً من الاعتقاد بأن موازين القوى الحالية تسمح بإعادة صياغة موقع لبنان الإقليمي.
عام 1983، جرى الرهان على أن الاجتياح الإسرائيلي والتحولات الدولية كفيلان بإخراج لبنان من معادلات الصراع العربي ـ الإسرائيلي وإدخاله في تسوية منفصلة مع إسرائيل. لكن تلك التجربة سقطت سريعاً، لأن التوازنات الداخلية اللبنانية، إلى جانب الواقع الإقليمي، كانت أقوى من أي محاولة لفرض خيارات استراتيجية بالقوة أو تحت ضغط الاحتلال. واليوم يبدو أن هناك من يعتقد أن الظروف الإقليمية الحالية قد تعيد إنتاج فرصة مشابهة، مستفيداً من الانهيار الاقتصادي والانقسامات الداخلية والتحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
غير أن هذا الرهان يتجاهل أن الشرق الأوسط نفسه دخل مرحلة مختلفة تماماً. فالصراع لم يعد محصوراً بين محورين إقليميين، بل بات جزءاً من إعادة تشكيل النظام الدولي بأسره. الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة ترتيب نفوذها في المنطقة ضمن مواجهة أوسع مع الصين وروسيا، فيما تعمل بكين على تثبيت حضورها السياسي والاقتصادي كقوة دولية صاعدة قادرة على لعب دور مؤثر في ملفات الطاقة والاستقرار الإقليمي.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الصيني، الذي غالباً ما يجري التقليل من تأثيره في قراءة المشهد اللبناني. فالصين لا تنظر إلى المنطقة فقط من زاوية الصراع العسكري، بل من زاوية الاستقرار الاستراتيجي الضروري لمشروعها الاقتصادي العالمي، ولا سيما مبادرة “الحزام والطريق”. لذلك دفعت بكين خلال السنوات الماضية نحو تخفيف التوترات الإقليمية، وكان الاتفاق الإيراني ـ السعودي برعايتها مؤشراً واضحاً على رغبتها في إنتاج توازنات أكثر استقراراً في الخليج والشرق الأوسط.
هذا المعطى يجعل لبنان جزءاً من اشتباك دولي وإقليمي أوسع بكثير من حدوده الجغرافية. فواشنطن تريد إعادة رسم التوازنات الأمنية بما يضمن أمن إسرائيل ويحد من النفوذ الإيراني، فيما ترى طهران في «حزب الله» أحد أبرز عناصر قوتها الإقليمية. أما الصين، فهي معنية بمنع انفجار واسع قد يهدد طرق التجارة والطاقة ويؤدي إلى فوضى طويلة في المنطقة، بما ينعكس مباشرة على مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
لذلك تبدو المفاوضات الجارية حول لبنان مرتبطة بصورة مباشرة بمسار التفاوض الأميركي ـ الإيراني وبالتوازنات التي ستنتج عنه. فـ«حزب الله» يراهن على أن أي تفاهم دولي جديد لن يسمح بإلغائه بالكامل، بل قد يفرض إعادة تموضع ضمن معادلة مختلفة. في المقابل، تراهن إسرائيل وبعض القوى الدولية والإقليمية على استثمار اللحظة الحالية لإحداث تغيير جذري في بنية القوة داخل لبنان.
أما الداخل اللبناني، فيبدو عاجزاً حتى الآن عن إنتاج رؤية وطنية موحدة للتعامل مع هذه التحولات. فبدلاً من بناء مقاربة تحمي لبنان من التحول إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، عاد الانقسام التقليدي حول السلاح والهوية والخيارات الاستراتيجية ليتصدر المشهد، وكأن البلاد تعيد إنتاج الانقسام ذاته الذي عاشته في مراحل سابقة من تاريخها.
ومن هنا يمكن فهم كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري حول ضرورة التوصل إلى تفاهم إيراني ـ سعودي بمظلة أميركية، لأن أي استقرار فعلي في لبنان لن يكون ممكناً من دون تقاطع إقليمي ودولي يخفف منسوب الاشتباك المفتوح في المنطقة.
لكن حتى اللحظة، لا يبدو أن التسوية نضجت بعد. ولذلك يبقى لبنان معلقاً بين احتمالين: إما ولادة تفاهم دولي ـ إقليمي يعيد إنتاج توازن جديد يخفف التصعيد ويحفظ الحد الأدنى من الاستقرار، وإما الدخول في مرحلة استنزاف طويلة لن تبقى محصورة داخل لبنان، بل ستمتد تداعياتها إلى الإقليم بأسره، وخصوصاً إلى دول الخليج التي تدرك أن أي انفجار واسع في المشرق سيترك آثاراً مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي والسياسي.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو أخطر الأوهام السياسية الاعتقاد بإمكانية إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، سواء عبر فرض معادلات داخلية بالقوة أو عبر الرهان على تحولات خارجية لإعادة صياغة هوية لبنان وموقعه. فالتجربة اللبنانية أثبتت مراراً أن أي مشروع يتجاوز التوازنات الداخلية والحقائق الإقليمية قد ينجح مرحلياً في فرض وقائع معينة، لكنه يفشل في بناء استقرار دائم، لأن لبنان، بحكم تركيبته وموقعه، سيبقى دائماً جزءاً من معادلات المنطقة لا خارجها.




