اقتصادالرئيسية

ماذا لو قُطعت الكهرباء عن إدارات الدولة؟

باتريسيا جلاد - نداء الوطن

ماذا لو نفّذت مؤسسة كهرباء لبنان قرارها بقطع التيار الكهربائي عن الإدارات و المؤسسات العامة، هل يتوقف عمل مؤسسات الدولة ام أنها ستعتمد على المولدات الخاصة وتتابع عملها من دون تسديد المستحقات المترتبة عليها لمؤسسة كهرباء لبنان؟

قرّر مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان في جلسة عقدها نهاية الأسبوع المنصرم، قطع التغذية بالتيار الكهربائي عن الإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة، بما فيها مصالح المياه، التي تخلّفت عن تسديد مستحقاتها لمؤسسة كهرباء لبنان رغم الإنذارات المتكررة الموجّهة إليها، باستثناء المستشفيات الحكومية، وذلك اعتبارًا من صباح يوم الاثنين المقبل 2 تشرين الثاني 2026.

ودعا مجلس إدارة المؤسسة الجهات المعنية بهذا القرار إلى تسديد المستحقات المتوجبة عليها قبل الموعد المذكور، تفاديًا لقطع التغذية عنها.

هذا الأمر ليس مسألة مستجدة، إذ سبق أن طالبت المؤسسة، وتحديدًا وزير الطاقة والمياه جو الصدّي، أكثر من مرة بهذه المبالغ المستحقّة، والتي تبلغ نحو 300 مليون دولار، سدّدت مؤسسات المياه منها المستحقات المترتبة عليها بقيمة 50 مليون دولار.

 

تزايد أكلاف تشغيل الكهرباء

يأتي هذا المطلب في هذا التوقيت، بعد ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا وتزايد كلفة تشغيل معامل إنتاج الكهرباء، في مقابل تعرفة تتقاضاها مؤسسة كهرباء لبنان تبلغ نحو 27 سنتًا لكل كيلوواط ساعة، مقارنةً بنحو 65 سنتًا يتقاضاها أصحاب المولّدات الكهربائية الخاصة، علمًا أن آخر تسعيرة رسمية أصدرتها وزارة الطاقة والمياه حدّدت السقف الأقصى بـ58.124 سنتًا لكل كيلوواط ساعة، في المناطق الجبلية التي يزيد ارتفاعها على 700 متر عن سطح البحر، أو في الحالات التي تزيد فيها المسافة بين المولّد والمشترك على 300 متر.

وزير الطاقة، ومعه مجلس إدارة مؤسسة كهرباء لبنان التي تتمتّع بالاستقلال المالي والإداري وتخضع لوصاية وزارة الطاقة والمياه، لم يجدا سبيلًا لتأمين التمويل اللازم لشراء الفيول أويل وضمان استمرار التغذية الكهربائية وتفادي العتمة الشاملة، سوى الإصرار على تحقيق المطالب الثلاثة التي عدّدها الوزير جو الصدّي في مؤتمره الصحافي، وأعلن على خلفية عدم تجاوب مجلس الوزراء معها اعتكافه عن المشاركة في جلساته، وهي:

– اعتماد تعرفة متحرّكة لكلفة الكهرباء حسب تغيّر أسعار النفط.

-تسديد الدولة كلفة الإعفاءات التي أقرّتها لمناطق الجنوب.

– تسديد الدولة الفواتير المستحقّة على المؤسسات العامة والإدارية لمؤسسة كهرباء لبنان.

وعليه، ما هي تداعيات قطع التيار الكهربائي عن الإدارات والمؤسسات العامة على سير عمل معاملات المواطنين في دوائر الدولة؟

تختلف ساعات التغذية الكهربائية بحسب طبيعة المؤسسة أو المرفق العام وأهمية الخدمات التي يقدّمها. فهناك، كما علمت “نداء الوطن” من مصادر مطّلعة، مرافق حيوية تؤمّن لها مؤسسة كهرباء لبنان التغذية على مدار 24 ساعة يوميًا، ومنها مضخات المياه الرئيسية، والمستشفيات الحكومية، والمطار، ووزارة الدفاع والقصر الجمهوري. كذلك، تؤمّن التغذية للمرفأ على مدار الساعة، فيما تستفيد قصور العدل ومجلس النواب من التغذية خلال الدوام الرسمي. أما الجامعة اللبنانية، فتؤمَّن لها التغذية على مدار 24 ساعة.

يأتي ذلك انطلاقًا من حرص مؤسسة الكهرباء على استمرارية عمل المرافق الحيوية وضمان عدم تعطّل الخدمات الأساسية التي يحتاج إليها المواطنون.

 

تأثير قطع التيّار الكهربائي

حول تأثير قرار قطع التيار الكهربائي على سير عمل هذه المؤسسات والإدارات وتقديم الخدمات للمواطنين، لا سيّما أنّ العديد منها يعتمد على اشتراكات المولّدات الخاصة، أوضح المصدر أنه “من الطبيعي أن يؤثّر قطع التيار الكهربائي عن المؤسسات والإدارات العامة غير المسدّدة لمستحقاتها على سير عملها، ولا سيّما المرافق التي تتطلب استمرارية التغذية الكهربائية لتقديم خدماتها، مثل مضخات المياه الرئيسية التي تؤمّن وصول المياه إلى المواطنين، والمستشفيات والمرافق الصحية، إضافة إلى المطار والمرفأ وسائر المرافق الحيوية”.

يضيف المصدر نفسه: “صحيح أن بعض هذه المؤسسات يعتمد على اشتراكات المولّدات الخاصة لتأمين حاجاته من الكهرباء، إلا أن ذلك يرتّب عليها أعباء مالية إضافية، ولا يعفيها من تسديد المستحقات المتوجبة لمؤسسة كهرباء لبنان. فمن غير الطبيعي أن تستمر المؤسسات والإدارات العامة في الاستفادة من الكهرباء من دون تسديد فواتيرها، في وقت تعمل فيه المؤسسة على تأمين التغذية ضمن الإمكانات المتاحة وتواجه أعباء مالية كبيرة. لذلك، فإن الهدف هو دفع المؤسسات المعنية إلى تسوية أوضاعها وتسديد المتأخرات، بما يضمن تحصيل حقوق المؤسسة واستمرار تقديم الخدمات الكهربائية ضمن الإمكانات المتوافرة”.

 

المستحقّات لشراء الفيول

لكن في حال كانت المستحقات المتوجبة على المؤسسات والإدارات العامة 300 مليون دولار، ولم يُسدَّد منها سوى 50 مليون دولار، فهل من شأن تحصيل المبلغ المتبقي، البالغ 250 مليون دولار، أن يساهم في تحسين ساعات التغذية الكهربائية؟ أو يساهم تحصيل هذه المستحقات في تجنّب الوصول إلى العتمة الشاملة؟

حول ذلك، لفت المصدر إلى أن “تحصيل المستحقات المتوجبة على المؤسسات والإدارات العامة من شأنه أن يساهم في تحسين الوضع المالي لمؤسسة كهرباء لبنان، وتعزيز قدرتها على تأمين الفيول اللازم لتشغيل معامل الإنتاج، وبالتالي قد يساهم في زيادة ساعات التغذية الكهربائية وتحسين استمراريتها.

لكن لا يمكن الجزم بأن تحصيل كامل المبلغ المتبقي، والبالغ نحو 250 مليون دولار، سيؤدي تلقائيًا إلى رفع التغذية إلى أكثر من أربع ساعات يوميًا، إذ إن ذلك يرتبط أيضًا بعوامل أخرى، وفي مقدّمها أسعار النفط العالمية وكلفة شراء الفيول وتوافره، إضافة إلى مستوى الجباية وحجم النفقات التشغيلية.

وعليه، فإن تحصيل هذه المستحقات يشكّل عاملًا أساسيًا في تحسين الوضع المالي للمؤسسة، وقد يساعد في زيادة ساعات التغذية، كما يساهم في الحدّ من مخاطر تراجع الإنتاج والوصول إلى العتمة الشاملة، بالتوازي مع استقرار أسعار النفط أو انخفاضها وتوافر التمويل اللازم لتأمين المحروقات.

 

إدارة مستدامة للكهرباء

تسديد المتأخرات لا يعني بالضرورة زيادة فورية ومحدّدة في ساعات التغذية، لكنه يوفّر للمؤسسة موارد إضافية تساعدها على إدارة قطاع الكهرباء بصورة أكثر استدامة، والحدّ من مخاطر انقطاع التيار بشكل كامل”.

إذًا، يمكن القول إن مؤسسة كهرباء لبنان، في ظلّ رفض وزير الطاقة العودة إلى سياسة الاستدانة التي ساهمت في تحميل خزينة الدولة أعباء تُقدَّر بنحو 40 مليار دولار، تجد نفسها أمام خيار وحيد وهو تحصيل مستحقاتها من الإدارات والمؤسسات العامة لتأمين استمرارية التغذية الكهربائية. لكنّ المفارقة أن الدولة، التي أمضت عقودًا في تمويل عجز قطاع الكهرباء من المال العام، باتت اليوم مطالبة بتسديد فواتير مؤسساتها تفاديًا لعجز جديد قد يعيد البلاد إلى العتمة الشاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى