اخبار عربية ودولية

السعودية وإيران بين خيارين: حتمية الردع أم مسارات الدبلوماسية

تُسقط التحركات التنسيقية الحالية لثلاثي الأزمة (الرياض، أنقرة، إسلام آباد) باتجاه طهران الفرضية التقليدية للواقعية السلوكية، والتي ترهن أمن الإقليم بـ “مظلة الردع الاستراتيجي الخارجي”.

فمن منظور الواقعية المحدثة (Neorealism)، تجد الدولة نفسها أمام حقيقة حتمية مفادها أن قدرات الاعتراض التكتيكي لا تلغي الأسباب الهيكلية لاستدعاء القوة، وأن التحالفات التقليدية تُعاني بالضرورة من مسألتين كلاسيكيتين: خطر الانجرار (Risk of Entanglement) إلى مواجهات لا تخدم المصلحة الحيوية للدول المضيفة، وخطر التخلي (Risk of Abandonment) عند تبدل أولويات القوى العظمى.

إن هذه الاتصالات تمثل محاولة عقلانية لـ “التحوط الاستراتيجي” (Strategic Hedging) لنقل الملف من “إدارة المواجهة بالوكالة” إلى “إدارة المخاطر بالأصالة”. غير أن التمييز التحليلي واجب بين ثلاثة مسارات متقاطعة:
المسار الدفاعي الهيكلي: المتمثل في التعاون السعودي–التركي–الباكستاني.
المسار الدبلوماسي المتعدد الأطراف: ويشمل التنسيق الأوسع مع القاهرة والعواصم الأوروبية.

المسار الإقليمي الفوري: ويضم الانفتاح نحو التهدئة مع طهران كما تجلى في مؤتمر إسطنبول ومحادثات طهران المرتقبة.
وهذا التنسيق ليس حلفاً أمنياً ناجزاً مع إيران، بل عملية استكشاف لمجالات تقاطع المصالح وتجنب الوقوع في “اللعبة الصفرية” (Zero-Sum Game).
1. التداعيات الجيوسياسية والأطر القانونية المشتركة
يمثل البحر الأحمر طبقاً لـ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS 1982) ممرًا مائيًا دوليًا يخضع لـ “حق المرور الترانزيتي” و”المرور البريء”، واستهدافه يمسّ بنظام المشاع العالمي (Global Commons). غير أن “الواقعية السياسية” تفترض أن السلوك الإيراني تجاه الفاعلين من غير الدول (Non-State Actors)—كالحوثيين—لا يمكن اختزاله في علاقة تراتبية تبسيطية، إذ تتدخل الحسابات المحلية المعقدة. من هنا، يظل القانون الدولي قاصراً عن حماية التجارة ما لم يُقرن بـ مسار سياسي هيكلي، تبرز فيه خريطة الطريق الأممية (ديسمبر 2023) كإطار يربط وقف النار بالتسوية السياسية الشاملة.
من جهة أخرى، تصطدم التفاهمات الإقليمية بالبنية الكبرى للصراع؛ فهي تستطيع تهيئة “البيئة التفاوضية” (Conducing Environment) وتوفير مخارج استراتيجية، لكنها لا تمتلك الصلاحية القانونية ولا القدرة التنفيذية لحسم ملف العقوبات الأمريكية، أو التزامات إيران النووية، أو كبح الردع الإسرائيلي.
ومع غياب المأسسة، تبرز “المعضلة الأمنية” (Security Dilemma) كما صاغها روبرت جيرفيس: فما تعتبره دولة إجراءً دفاعياً قد يراه الخصم استعداداً للهجوم، ليتحول الوضع إلى هدنة تكتيكية مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختلال في ميزان القوى.
1. آفاق التحول من إدارة الأزمة إلى السلام المستدام
يوفر تاريخ العلاقات الدولية مرجعيات عملية لتجاوز المعضلة الأمنية دون انتظار تطابق الأنظمة، مثل وثيقة هلسنكي (1975) التي أرست قواعد السيادة وبناء الثقة العسكرية (CBMs) بين المعسكرين المتنافسين، واتفاق بيكين (2023) التأسيسي على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية (المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة).
ولتحويل التهدئة إلى استقرار هيكلي، يتطلب المسار العمل على مستويين رئيسيين:
على المدى القصير: البدء باتفاقات فنية محددة لحماية المدنيين والمنشآت والملاحة البحرية، وإنشاء قنوات دائمة لإدارة الحوادث والتحقق الفني، بالتوازي مع دفع المسار السياسي اليمني.

على المدى الطويل: بناء مسار إقليمي تدريجي يربط الأمن باحترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات، وضبط التسلح، وبناء مصالح اقتصادية مشتركة؛ مع ضرورة معالجة السلاح خارج أطر الدولة، وإدماج الدول الأضعف في تقرير مستقبلها، وعدم تجاهل الحقوق السيادية للشعب الفلسطينية وفقاً للقرارات الدولية ذات الصلة لضمان استدامة أي سلام إقليمي.
الخلاصة: إن المآل الأرجح لهذه التحركات في المدى القريب هو النجاح في “إدارة الأزمة” (Crisis Management) كبحاً للتدهور، لا “حل الصراع” (Conflict Resolution).

وسيظل الاستقرار مرهوناً بمدى استعداد كافة القوى وفي مقدمتها السعودية وإيران لقبول قيود متبادلة على استخدام النفوذ والقوة؛ فإما أن تتحول التهدئة إلى التزام عملي باحترام أمن الجار، أو تبقى مجرد استراحة تكتيكية بين جولتين من المواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى