اقتصادالرئيسية

دراسة: لبنان يخسر 31 ألف هكتار قمح

زينب بزي - الاخبار

تراجعت المساحات المزروعة بالقمح في لبنان بنحو 31.5 ألف هكتار خلال موسمين زراعيين، بعدما انخفضت من 69,194 هكتاراً في موسم 2022–2023 إلى 37,642 هكتاراً في موسم 2024–2025، أي بتراجع 46%. هذا ما خلصت إليه دراسة بعنوان «القمح في أزمة: تقلّبات المساحات المزروعة بالقمح في لبنان بين 2017 و2025»، أعدّتها مريم إبراهيم بالتعاون مع فريق من الباحثين من المركز الوطني للاستشعار عن بُعد التابع للمجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان ومؤسسات بحثية فرنسية، ونُشرت في مجلة «npj Sustainable Agriculture».

أشارت الدراسة إلى تعرّض زراعة القمح في لبنان إلى تقلّبات كبيرة بفعل الأزمات الاقتصادية والحرب الإسرائيلية، في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 80% من احتياجاته من هذه السلعة الأساسية. فمن خلال رصد بواسطة الأقمار الاصطناعية للمساحات المزروعة بالقمح في المواسم الثمانية الأخيرة، تبيّن أن المساحات ارتفعت من 29,835 هكتاراً في موسم 2017–2018 إلى 53,751 هكتاراً في موسم 2020–2021، قبل أن تتراجع إلى 35,449 هكتاراً في موسم 2021–2022، بالتزامن مع اشتداد الأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف الإنتاج. وبعد انتعاشها إلى أعلى مستوى خلال الفترة المدروسة، بلغ 69,194 هكتاراً في موسم 2022–2023، عادت إلى الانخفاض خلال موسمي الحرب، لتبلغ 51,799 هكتاراً في 2023–2024، ثم 37,642 هكتاراً في الموسم التالي.

وكان الجنوب الأكثر تأثّراً، إذ سجّل أعلى متوسط لنسب فقدان مساحات القمح بين المواسم، بلغ 47% في 2023–2024 و61% في 2024–2025. وتربط الدراسة هذا التراجع بالاعتداءات الإسرائيلية والنزوح وصعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، فضلاً عن المخاطر التي تهدّد حياتهم أثناء الزراعة والحصاد. ولم تقتصر التداعيات على الأراضي المستهدفة مباشرة، إذ أدّى تضرّر البنى التحتية وتعطّل حركة النقل ونقص اليد العاملة إلى إعاقة النشاط الزراعي. وتُظهر الدراسة ارتفاع نسبة الأراضي التي كانت مزروعة بالقمح، ولم يُرصد عليها غطاء نباتي في الموسم التالي، من 9% إلى 24%.

غير أن الحرب لم تكن أولى الضربات التي تلقّتها زراعة القمح. ففي موسم 2021–2022، ارتفعت تكاليف الإنتاج بالليرة اللبنانية بنسبة 327%، وهي أكبر زيادة سنوية خلال الفترة المدروسة، بالتزامن مع تدهور سعر صرف الليرة أمام الدولار بنسبة 252%، ما جعل المستلزمات المسعّرة بالدولار أكثر كلفة بنحو 3.5 مرات بالليرة اللبنانية. وارتفع سعر طن الأسمدة من نحو 253 دولاراً بين 2017 و2020 إلى 385 دولاراً عام 2021، ثم إلى 596 دولاراً عام 2022، أي بزيادة تقارب 136% مقارنةً بمستواه السابق. كذلك، قفز سعر 20 ليتراً من المازوت من 315 ألف ليرة عام 2021 إلى 841 ألف ليرة عام 2022، بزيادة تقارب 167%.

ولم تسلم البذور من ارتفاع الأسعار، إذ ارتفع متوسط سعر بذور القمح المحلية بنحو 22% عام 2021، فيما بقي سعر البذور المستوردة عند نحو 1100 دولار للطن. وفي ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، تشير الدراسة إلى أن العبء الفعلي لكلفة الزراعة، مقاساً بما يعادلها من ربطات الخبز، ارتفع بنسبة 129% في موسم 2021–2022. أي إن المزارع أصبح يحتاج إلى قدرة شرائية تعادل 2.3 مرة ما كان يحتاج إليه في الموسم السابق لتغطية تكاليف الإنتاج نفسها. وتزامن ذلك مع تضخّم أسعار الغذاء بنسبة 440%، وتراجع قدرة الدولة على الاستمرار في دعم المزارعين وشراء إنتاجهم، فضلاً عن صعوبة حصولهم على القروض واضطرارهم إلى تسديد مستحقاتهم القديمة وشراء المستلزمات نقداً.

ورغم هذه الضغوط، عادت المساحات المزروعة إلى الارتفاع في موسم 2022–2023، مع تراجع بعض تكاليف الإنتاج المقوّمة بالدولار وارتفاع الأسعار العالمية للقمح، ما حسّن الجدوى الاقتصادية للمحصول. إلا أن هذا التعافي لم يصمد أمام الحرب الإسرائيلية، التي جعلت الوصول إلى الأراضي وزراعتها أكثر صعوبة، بصرف النظر عن كلفة الإنتاج أو أسعار البيع.
وتكشف هذه النتائج هشاشة الإنتاج المحلي أمام الأزمات المتلاحقة، في وقت لا يملك فيه لبنان بيانات زراعية ميدانية حديثة ومنتظمة. فقد اضطر الباحثون إلى الاعتماد على تقديرات إحصائية لأربعة مواسم بسبب غياب البيانات المرجعية، ومنها موسما الحرب، مع هامش عدم يقين مقدّر بنحو 14% لكل منهما. ورغم أن الدراسة لا تحدّد حجم الخسائر بالأطنان أو قيمتها المالية، فإنها تُظهر حجم التراجع في المساحات المزروعة، وتطرح سؤالاً حول قدرة لبنان على استعادة إنتاج القمح، في ظل استمرار المخاطر الأمنية وارتفاع كلفة الزراعة وتراجع مقوّمات الدعم.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى