اقتصادالرئيسية

شطبُ الأصفار من الليرة اللبنانية: إصلاح نقديّ أم تغيير في شكل الأزمة؟

د. فؤاد زمكحل - الجمهورية

مع تفاقم الأزمة النقدية في لبنان وتراجع قيمة الليرة بشكل غير مسبوق خلال السنوات الماضية، عاد إلى الواجهة النقاش حول شطب الأصفار من العملة اللبنانية، بالتزامن مع الحديث عن إصدار فئات نقدية أكبر. وبين مَن يرى في هذه الخطوة وسيلة لتبسيط التعاملات وإعادة تنظيم النظام النقدي، ومن يعتبرها مجرّد تغيير شكلي، يبقى السؤال الأساسي: هل تكمن مشكلة الليرة فعلاً في عدد أصفارها، أم في الإقتصاد الذي يقف خلفها؟

من الناحية التقنية، لا شك في أنّ شطب الأصفار يُمكن أن يسهّل التعاملات اليومية والمحاسبية والمصرفية. فالأرقام الضخمة أصبحت جزءاً من الحياة الإقتصادية اللبنانية، من الأسعار والفواتير إلى الرواتب والتحويلات والأنظمة المحاسبية. وإذا تمّ، على سبيل المثال، حذف ثلاثة أصفار، يصبح المليون ليرة ألف ليرة جديدة، وتُعدّل الأسعار والرواتب والحسابات بالنسبة نفسها.

لكن هذه العملية لا تجعل المواطن أكثر ثراءً، ولا ترفع القدرة الشرائية لليرة، ولا تعيد بحدّ ذاتها قيمة المدّخرات. إنّها تعيد ترتيب الأرقام، لا ترتيب الإقتصاد.

الأزمة أعمق بكثير من شكل العملة

وهنا تكمن النقطة الجوهرية. تجارب الدول التي لجأت إلى حذف الأصفار تشير إلى أنّ نجاح هذه الخطوة يرتبط بالظروف التي تسبقها وترافقها. فعندما تأتي بعد السيطرة على التضخُّم، واستقرار سعر الصرف، وضبط المالية العامة، واستعادة قدر من الثقة بالإقتصاد والمؤسسات، يمكن أن تكون جزءاً ناجحاً من إصلاح نقدي شامل. أما عندما تُستخدم كبديل عن الإصلاحات، فإنّ خطر عودة التضخم وتراكم الأصفار من جديد يبقى قائماً.

وفي لبنان، الأزمة أعمق بكثير من شكل العملة. فالمشكلة الأساسية هي أزمة ثقة متراكمة: ثقة بالليرة، وبالقطاع المصرفي، وبالسياسات المالية والنقدية، وبقدرة الدولة على إدارة مواردها والتزاماتها. ولذلك فإنّ أيّ تعديل في شكل العملة، من دون معالجة هذه الإختلالات، لن يكون قادراً على تحقيق تحوّل اقتصادي حقيقي.

أما إصدار فئات نقدية أكبر، فيجب التمييز بينه وبين شطب الأصفار. فالفئات الأكبر قد تصبح ضرورة تقنية ولوجستية نتيجة إرتفاع الأسعار والحاجة إلى استخدام أعداد كبيرة من الأوراق النقدية في التعاملات اليومية. وهي قد تخفف كلفة الطباعة والنقل والتخزين وتسهّل بعض المدفوعات النقدية، لكنها لا تمثل إعادة تقييم للعملة ولا تعني استعادة قيمتها.

الأولوية شطب أسباب الانهيار

لذلك، فإنّ الأولوية في لبنان اليوم ليست شطب الأصفار، بل شطب أسباب الانهيار. وهذا يعني أولاً استعادة الإستقرار المالي والنقدي، والمضي في إعادة هيكلة جدّية للقطاع المصرفي، وتحديد الخسائر وتوزيعها بطريقة عادلة وشفافة، ومعالجة الفجوة المالية وحماية حقوق المودعين إلى أقصى حدّ ممكن. كما يتطلّب الأمر إصلاح المالية العامة، وتعزيز إستقلالية ومصداقية السياسة النقدية، وإعادة بناء قطاع مصرفي قادر على تمويل الإقتصاد بدلاً من أن يبقى أسير أزمته.

لكن الإصلاح النقدي والمالي وحده لا يكفي، فالعملة القوية تحتاج إلى اقتصاد قادر على الإنتاج والنمو وجذب الإستثمار وخلق فرص العمل. واستعادة الثقة بالليرة ترتبط، في نهاية المطاف، باستعادة الثقة بلبنان نفسه: بمؤسساته، وقوانينه، وقطاعه الخاص، وبيئته الإستثمارية، وقدرته على تأمين الإستقرار والإستمرارية.

كما أنّ أي إصلاح للعملة يجب أن يترافق مع رؤية واضحة لمستقبل الإقتصاد النقدي في لبنان. فالتوسع الكبير في التعامل بالدولار النقدي خلال الأزمة، إلى جانب تطور وسائل الدفع الإلكترونية، يفرضان إعادة التفكير في دور الليرة ووظائفها داخل الإقتصاد.

المطلوب ليس فقط إصدار أوراق جديدة، بل بناء نظام نقدي ومالي حديث، يقلّل الإعتماد المفرط على النقد ويعيد تدريجياً الثقة بالقطاع المصرفي وبوسائل الدفع الرسمية.

عندما يتحقق قدر كافٍ من الإستقرار، وتنخفض الضغوط التضخمية، ويستقر سعر الصرف ضمن إطار إقتصادي قابل للإستمرار، يُمكن عندها دراسة حذف الأصفار. وفي تلك المرحلة، قد يكون القرار مفيداً لتبسيط المعاملات وإعادة تنظيم النظام المحاسبي والنقدي، وقد يحمل أيضاً بعداً نفسياً مهمّاً من خلال فتح صفحة نقدية جديدة.

لكن التوقيت هو الأساس، فشطب الأصفار يجب أن يكون نتيجة الإصلاح وليس بديلاً عنه.

في المحصّلة، لبنان لا يحتاج اليوم إلى تجميل أرقام الأزمة، بل إلى معالجة جذورها. لذا إنّ إصدار فئات أكبر قد يكون ضرورة عملية في المرحلة الحالية، فيما شطب الأصفار قد يصبح خطوة مفيدة في مرحلة لاحقة، لكن كليهما يبقى ثانوياً أمام المهمّة الأساسية: إعادة بناء الثقة.

فالعملة ليست مجرّد ورقة تحمل رقماً، وقيمتها لا تحدّدها الأصفار المطبوعة عليها، إذ إنّ قيمتها الحقيقية تعكس قوة الإقتصاد، ومصداقية المؤسسات، وصلابة النظام المالي، وثقة المواطنين والمستثمرين بالمستقبل. وعليه، لا يُمكن إعادة بناء قيمة الليرة بتغيير شكل الأرقام، بل بإعادة بناء الإقتصاد الذي يقف خلفها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى