رياضة

المال vs البطولات: المعادلة الأصعب في كرة القدم

شيرين موسى - الأخبار

لم تكن كرة القدم يوماً ساحة متكافئة بين الأطراف المتنافسة. لطالما سيطرت الأندية الأكثر ثراءً على أسواق انتقالات اللاعبين، ما منحها هامشاً أوسع لتعزيز صفوفها والمنافسة على الألقاب. لكنّ الفجوة الماليّة بين الأندية الكبرى والأقل نفوذاً اتّسعت بشكل ملحوظ خلال العقدين الأخيرين.
بدأ هذا التحوّل عندما أطلق رئيس ريال مدريد فلورنتينو بيريز عام 2000 عصر الإنفاق الضخم، باستقدام البرتغالي لويس فيغو من برشلونة مقابل 60 مليون يورو. ولم يصمد الرقم القياسي سوى عام واحد، إذ سجّل النادي الملكي رقماً جديداً في عام 2001 عندما تعاقد مع الفرنسي زين الدين زيدان مقابل نحو 73.5 مليون يورو.

أمّا اليوم، فيواصل الدوري الإنكليزي الممتاز ترسيخ هذا التوجه. حتى نهاية تموز من العام الجاري، أنفقت الأندية الإنكليزية أكثر من 1.4 مليار جنيه إسترليني على ضمّ لاعبين جُدد هذا الصيف، أي أكثر بنحو 303 ملايين جنيه إسترليني من إجمالي إنفاق جميع أندية الدرجة الأولى في ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا. وفي ظل هذا التفاوت الكبير في القدرات الاقتصادية، يبقى السؤال: هل يشتري المال فعلاً البطولات في كرة القدم؟

كبار إنكلترا تحت المجهر
تكشف الأرقام تفاوتاً واضحاً في صافي الإنفاق بين أندية إنكلترا الخمسة الكبرى، استناداً إلى بيانات Football365 بين موسمي 2022/23 و2025/26. خلال هذه الفترة، بلغ صافي إنفاق مانشستر سيتي 376.90- مليون جنيه إسترليني، مقابل 354.68- مليون جنيه إسترليني لليفربول، و549.75- مليون جنيه إسترليني لمانشستر يونايتد، و732.31- مليون جنيه إسترليني لتشيلسي، فيما بلغ صافي إنفاق آرسنال 541.77- مليون جنيه إسترليني.

وعند مقارنة هذه الأرقام بعدد البطولات التي أحرزتها الأندية، باستثناء درع المجتمع وكأس السوبر الأوروبي، يظهر بوضوح التباين في قدرتها على تحويل استثماراتها في سوق الانتقالات إلى نجاح ملموس.
يتصدّر مانشستر سيتي قائمة كفاءة الاستثمار، بعدما حقّق 5 ألقاب، هي الدوري الإنكليزي الممتاز مرتين، ودوري أبطال أوروبا، وكأس الاتحاد الإنكليزي، وكأس العالم للأندية، بمعدّل إنفاق صافٍ بلغ 75.4 مليون جنيه إسترليني لكل بطولة. يليه ليفربول بلقبين، هما كأس الرابطة الإنكليزية والدوري الإنكليزي الممتاز، بمعدّل 177.3 مليون جنيه إسترليني لكل بطولة.

أنفقت الأندية الإنكليزية أكثر من 1.4 مليار جنيه إسترليني على ضمّ لاعبين جدد هذا الصيف

ويأتي مانشستر يونايتد ثالثاً بلقبين، هما كأس الرابطة الإنكليزية وكأس الاتحاد الإنكليزي، بمعدّل 274.9 مليون جنيه إسترليني لكل بطولة. ويحتل تشيلسي المرتبة الرابعة بعدما حصد دوري المؤتمر الأوروبي وكأس العالم للأندية، بمعدّل 366.2 مليون جنيه إسترليني لكل بطولة. أمّا آرسنال، فحقّق بطولة واحدة هي الدوري الإنكليزي الممتاز، ما يجعله الأقل كفاءة استثمارية بمعدّل 541.8 مليون جنيه إسترليني للبطولة الواحدة.

حقّق ليفربول صافي الإنفاق الأفضل بين الأندية الخمسة، لكنه جاء ثانياً من حيث تحويل هذا الاستثمار إلى نجاح ملموس. أمّا مانشستر سيتي، فأظهر أعلى كفاءة في موازنة إنفاقه مع إنجازاته، محقّقاً أكبر عدد من الألقاب خلال الفترة نفسها. وبالنسبة إلى تشيلسي، فهو النادي الأكثر إنفاقاً، لكنه حصد بطولتين فقط، وهو العدد نفسه الذي حقّقه ليفربول ومانشستر يونايتد بإنفاق أقل. ورغم فوزه بآخر نسخة من الدوري، جاء آرسنال خامساً من حيث الكفاءة الاستثمارية.
توضح هذه المقارنة أن المال يمنح الأندية قدرة أكبر على المنافسة، لكنه لا يمثّل العامل الحاسم في حصد البطولات.

الإنفاق الذكي
يخطئ من يفترض أن المال أصبح عاملاً ثانوياً في عالم الرياضة الحديث، لكنّ الإفراط في الاعتماد عليه بوصفه الوسيلة الأساسية لتحقيق البطولات أثبت فشله في مناسبات عديدة أيضاً.
يتّضح ذلك في تجربة مجموعة «الغلاكتيكوس» التي استقدمها فلورنتينو بيريز إلى ريال مدريد بين عامي 2000 و2006، وضمّت فيغو وزيدان وماكيليلي ورونالدو نازاريو وبيكهام وأوين وغيرهم.

ورغم مردودها الاقتصادي الهائل، فبعد 3 مواسم ناجحة، فشلت هذه المجموعة في حصد أي لقب بين عامي 2003 و2006. ويُعزى ذلك، إلى حدّ ما، إلى تركيز النادي على الصفقات التجارية واستقطاب النجوم في المراكز الهجومية، على حساب بناء فريق متوازن بين الدفاع والهجوم. وبرز ذلك بوضوح بعد رحيل ماكيليلي، أحد أبرز لاعبي الارتكاز الدفاعي في الفريق، إذ لم تنجح الانتدابات اللاحقة في تعويضه.

الإنفاق المطلوب ليس بالضرورة إنفاقاً هائلاً، بل هو إنفاق ذكي يقوم على استراتيجية رياضية متماسكة يضعها مالك النادي بالتوافق مع المدرّبين والطواقم الفنية. ويعني ذلك استقدام اللاعبين وفق خطط مدروسة، لا صفقات عشوائية، بما يتناسب مع رؤية الفريق واحتياجاته.

قد تساهم المبالغة في الإنفاق في تدعيم الصفوف بالمواهب وتعزيز دكّة البدلاء، وتوفير الخيارات التي يحتاج إليها المدرّب على أرض الملعب، لكنها لا تحسم مسألة النجاح. فالانتصارات تتطلّب فريقاً يوازن بين الخبرة والموهبة، ويضمن التجانس بين المهارات المُتاحة والأدوار المُسندة إلى اللاعبين.
في النهاية، لا يكمن الفارق بالضرورة في حجم الأموال التي ينفقها النادي، بل في قدرته على توظيفها ضمن مشروع رياضي متكامل. فالمال قد يشتري المواهب، لكنه لا يشتري بالضرورة الفريق القادر على تحويل تلك المواهب إلى بطولات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى