الرئيسيةمجتمع ومنوعات

مكبّ سرار يقفل أبوابه: عكار ترفض أن تدفع ثمن أزمة طرابلس

نجلة حمود - الأخبار

أعادت أزمة النفايات في طرابلس فتح ملف مكبّ سرار في عكار، الذي يستقبل نفايات المحافظة منذ أكثر من 33 عاماً، بعدما طُرح مجدّداً لاستقبال نفايات من خارج عكار، إثر بلوغ مكبّ طرابلس ذروة قدرته الاستيعابية، في وقت تحتاج فيه الحلول التي تعمل عليها الحكومة ووزارة البيئة إلى ما لا يقل عن ستة أشهر.
ومع طرح اسم مكبّ سرار، عادت إلى الواجهة أزمة عام 2015، حين طُرحت عكار كإحدى الوجهات لاستقبال نفايات بيروت. إلا أن الأزمة هذه المرة اتخذت منحى أكثر تعقيداً، إذ انتهى اقتراح نقل نفايات طرابلس إلى سرار بإقفال المكبّ أمام النفايات الوافدة من خارج المحافظة، لتنتقل أزمة النفايات من طرابلس إلى قلب عكار.

وعلمت «الأخبار» أنه مع تفاقم أزمة النفايات في طرابلس، عقد رئيس الحكومة نواف سلام اجتماعاً مع نواب عكار، طالباً مساعدتهم في إيجاد مخرج مؤقّت يقضي باستقبال مكبّ سرار نفايات طرابلس لمدة ستة أشهر. وأمام رفض النواب للطرح وإصرار سلام عليه، كُلّف النائب أسعد درغام بالتواصل مع البلديات المحيطة بالمكبّ (قشلق وسرار وشيرحميرين ووادي الحور وهيتلا والتليل)، لكونه من بلدة هيتلا.

وبعد اتصالات مع البلديات، عُقد لقاء مع سلام بحضور وزيرة البيئة تمارا الزين، ورئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني، والنائبين محمد سليمان ودرغام. وطرح سلام حلاً مؤقّتاً لأربعة أشهر، على أن تُنجز خلالها الخطوات اللازمة لإقامة المطمر الصحي وتشغيل معمل الفرز في عكار، بالتوازي مع تقديم حوافز للبلديات عبر سلسلة من المشاريع ينفّذها مجلس الإنماء والإعمار. لكنّ جواب البلديات كان واضحاً: «لا لنفايات طرابلس في سرار، قبل معالجة الأضرار المادية والصحية والبيئية التي تحمّلتها القرى المحيطة بالمكبّ، وإقامة المطمر وتشغيل المعمل، وإنصاف البلدات المتضررة إنمائياً وبيئياً واجتماعياً».

وسرعان ما انتقل الاعتراض إلى الأرض. فبعد منع نفايات المنية والبداوي من دخول مكبّ سرار، أغلقت البلديات المحيطة به الطرق المؤدية إليه أمام جميع الشاحنات، بما فيها تلك التي تنقل نفايات قرى عكار وبلداتها. ووجدت اتحادات البلديات نفسها أمام مأزق تصريف نفايات نحو 160 قرية وبلدة عكارية، ما دفعها إلى عقد لقاءات متتالية مع محافظ عكار عماد لبكي ووزير الداخلية محمد الحجار، إضافة إلى لقاء موسّع في بلدة وادي الحور، بحثاً عن مخارج لتجنيب المحافظة أزمة نفايات حادّة.

رئيس بلدية قشلق ربيع صقر أكّد خلال اللقاء أن قرار وقف دخول النفايات لن يُرفع قبل البدء بتنفيذ المطالب، مختصراً واقع القرى المتضررة بعبارة: «الجمرة لا تحرق إلا مكانها». وأعاد صقر فتح ملف الأموال التي حصلت عليها اتحادات البلديات عام 2015، والبالغة 17 مليون دولار، والتي وُزّعت على ثمانية اتحادات، فيما بقيت البلدات المتضررة من المكبّ خارج دائرة الاستفادة منها. ورفض تكرار السيناريو نفسه، أو تحويل الملف إلى بازار مفاوضات تنتهي باستفادة اتحادات لا ترتبط مباشرة بالمكبّ.

النفايات تدخل بازار السياسة
وكشفت أزمة سرار، إلى جانب بعدها البيئي، عن أزمة ثقة متراكمة بين الحكومة والبلديات والمجتمع المدني في عكار. فبعد 33 عاماً من تحمّل القرى المحيطة بالمكبّ أعباءه، وجدت نفسها أمام طرح جديد لاستقبال نفايات من خارج المحافظة، قبل معالجة الأضرار التي لحقت بها وإنصافها.

لكنّ النقاش سرعان ما ابتعد عن أصل المشكلة، مع دخول الملف في بازار سياسي وتصفية حسابات، كان أبرز فصوله الحملة التي استهدفت النائب أسعد درغام، وحمّلته مسؤولية السعي إلى إدخال نفايات طرابلس إلى سرار. إلا أن هذه الرواية اصطدمت بموقف البلديات المعنية نفسها، التي أكّدت أن درغام وقف منذ البداية إلى جانب قرارها، وأن دوره اقتصر على متابعة الملف والتواصل معها، لا فرض أي خيار عليها. كما أن بلدته هيتلا تقع ضمن القرى المجاورة للمكبّ والمتضررة منه، ما يجعله معنياً مباشرة بموقفها ومواقف البلدات المحيطة.

وقال درغام لـ«الأخبار» إن «البلديات المعنية سبق أن أوضحت مراراً حقيقة ما جرى، وموقفي كان واضحاً منذ اللحظة الأولى: الوقوف إلى جانب البلديات وأهالي القرى المتضررة في مطالبهم وقراراتهم، من دون أي التباس أو مواربة. أمّا ما عدا ذلك، فلا أرغب في الدخول في حملات مشبوهة أو سجالات وزواريب ضيقة، خصوصاً أن من يقف وراء هذه الحملات بات واضحاً ومعروفاً، كما أن أهدافها لم تعد خافية على أحد. الوقائع واضحة والمواقف موثّقة، وهي وحدها كفيلة بإظهار الحقيقة».

ومع اتساع السجال، خرج جزء من أزمة سرار عن مسارها الأساسي، ليتحوّل إلى تراشق بالاتهامات بين ناشطين وبلديات القرى المحيطة بالمكبّ. فقد وجّه «الحراك المدني العكاري» في بيان انتقادات إلى البلديات على خلفية إقفال المكب أمام نفايات عكار، فردّت البلديات ببيان شديد اللهجة، رفضت فيه تصوير تحركها على أنه «حصار لعكار»، معتبرة أن من تحمّل أضرار المكب طوال 33 عاماً ليس في حاجة إلى دروس في الدفاع عن المحافظة.

وفي السياق نفسه، أكّد رئيس بلدية وادي الحور الشيخ سمير علمان أن «قرار رفض النفايات من خارج عكار اتخذته البلديات نفسها منذ بداية البحث في الملف، وأن الأولوية هي إقامة المطمر وتشغيل معمل الفرز وإنصاف القرى التي تحمّلت أضرار المكبّ لأكثر من ثلاثة عقود»، مشدّداً على استمرار إقفال الطرق المؤدية إلى المكبّ إلى حين البدء بخطوات فعلية لتنفيذ المطالب. كما نفى حصول أي اتفاق على استقبال نفايات طرابلس أو تقديم عرض بقيمة 75 ألف دولار في مقابل استقبالها.
ومع انتقال الأزمة من طرابلس إلى داخل عكار، تعود الكرة إلى ملعب الحكومة: هل تنجح خلال الأشهر الستة التي حدّدها سلام في تأمين الاعتمادات اللازمة، وإنجاز المطمر الصحي وتشغيل معمل الفرز؟ وكيف ستعالج الأضرار المتراكمة التي لحقت بالقرى المحيطة بسرار وتضمن حقوقها؟ والأهم، إلى أين ستذهب نفايات عكار إذا بقي المكبّ مُقفلاً؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى