اخبار عربية ودوليةالرئيسية

لقاء سعودي – إسرائيلي في أبو ظبي: ابن زايد نحو توريط ابن سلمان… مجدّداً؟

حسين إبراهيم - الأخبار

لم تكن زيارة رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، إلى أبو ظبي، أول من أمس، مفاجِئة كحدث، بقدر ما كان مفاجئاً توقيتها ومضمونها. فالزيارة ليست الأولى لرئيس وزراء إسرائيلي إلى الإمارات، التي سبق أن زارها نفتالي بينت قبل سنوات، وإن كانت الأولى لنتنياهو نفسه. لكنّ الرئيس الإماراتي، محمد بن زايد، الذي كان استشعر حرجاً في استقبال زعيم «الليكود» خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، أراد، على ما يبدو، من خلال هذه الخطوة، استعادة دوره المفقود منذ الحرب التي خاضتها السعودية ضدّه في اليمن وأدّت إلى طرده من البلد. وهو إذ يعرف أن قيادته الدفّة الخليجية لا يمكن أن تكون إلّا من تحت، وعبر البوّابة السعودية، فقد اختار أن يسدي إلى الرياض خدمة على الساحة اليمنية بالذات، حيث تتخبّط المملكة، وتتعرّض لقصف شبه يومي يطاول أهدافاً في عاصمتها، ومُنشآتها النفطية الحساسة على سواحل البحر الأحمر وفي جنوب البلاد – وذلك ردّاً على الحصار السعودي الذي أُضيفت إليه، في الأسابيع الأخيرة، غارات جوية مُكثّفة على المحافظات اليمنية التي تسيطر عليها «أنصار الله» -.

فالرئيس الإماراتي لم يستضِف نتنياهو في اجتماع ثنائي فقط، وإنّما في اجتماع خليجي – عربي، شارك فيه ممثّلون عن السعودية وقطر والأردن والمغرب وليبيا، وجاء بعد طلب الرياض مساعدة إسرائيلية في الحرب على اليمن، بحسب ما أوردته الصحافة الإسرائيلية. ووفقاً لهذه الأخيرة، فإن ممثّلي تلك الدول سمعوا من نتنياهو تأكيد استعداده لدعم المملكة بأنظمة دفاع جوي، تماماً كما فعل مع الإمارات، خلال الحرب مع إيران. لكنّ السؤال هنا: ما الذي يمكن أن تضيفه بضع منظومات دفاع جوي إسرائيلية، لحماية المملكة المحميّة أصلاً بمنظومات مماثلة تمتلكها هي، وأخرى نشرتها كلّ من فرنسا واليونان على أراضيها، إلى جانب مساعدات أميركية وإيطالية تتلقّاها، وربّما من جهات أخرى في المجال الدفاعي؟ الواقع أن المسألة تتعلّق برهان كامل من جانب الإمارات، سياسي أكثر ممّا هو عسكري، تريد الأخيرة للسعودية الانخراط فيه. فالحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران التي يقدّم الخليجيون مساعدة للولايات المتحدة فيها، وتلك السعودية على اليمن، تضع دول الخليج أمام خيارَين: الأوّل، هو الذهاب نحو اتفاقات مع طهران وصنعاء لإنهاء المسألة، وهو ما لا تستطيعه بسببٍ من بنيتها الأمنية المرتبطة جوهرياً بواشنطن؛ والثاني، التورّط في تحالف أمني – سياسي مع تل أبيب، يكفل حماية الأنظمة الخليجية، وهو ما تسعى إليه الأخيرتان منذ سنوات.

يبدو من العلامات الفارقة في هذه الزيارة أن الإمارات لم تُبقِ على سرّيتها

وإذ لا يمكن اعتبار اجتماع سعودي غير مُعلَن مع نتنياهو، جنوحاً نحو رهان أمني كامل على إسرائيل – بالمعنى السياسي للكلمة وليس العسكري المحض -، فإنه يمثّل بالتأكيد استطلاعاً سعودياً لخيار من النوع المذكور. ففي النهاية، ما يهمّ الرياض حالياً هو حماية النظام من خطر تراجع النفوذ – ولا سيما مع استمرار التقدّم اليمني -، وليس حماية المملكة من الصواريخ فقط؛ ذلك بأن النظام، إذا ظلّ يَظهر ضعيفاً، وعاجزاً عن الخروج من الورطة اليمنية بماء الوجه، سيخسر جزءاً من شرعيّته غير المُكتمِلة أصلاً. والحُكم السعودي، إذا صحّ أنه طلب مساعدة إسرائيلية في اليمن، لم يصل إلى هذا المربّع بسهولة؛ إذ هو تدرّج في طلب الإغاثة، ولم يجدها، أوّلاً من الولايات المتحدة، وثانياً من تركيا وباكستان، اللتَين دخل معهما في إطار «حلف مكة». كما أنه أبقى على الحوار مع إيران، وسعى عبر وسطاء لإنهاء الحرب في اليمن، كطريق محتمل للخروج من الأزمة – إذا سمحت الظروف بهكذا مخرج -.

لكن ما الذي يمكن نتنياهو أن يفعله للسعودية بعدما عجز عن فعل أيّ شيء حين أغلقت «أنصار الله» ميناء إيلات على البحر الأحمر، وقصفت كلّ أنحاء إسرائيل، إبّان حرب إسناد غزة؟ في كلّ الأحوال، ثمّة ما يوحي بأن ما حدث في أبو ظبي، يمثّل عودة سعودية إلى خيارات ابن زايد التي كان بدأ حُكم ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الأخذ بها منتصف العقد الماضي. والمفارقة، أن تقارير – ولو ليس بالإمكان تأكيدها – تحدّثت عن وساطة قادها نتنياهو بين الرياض وأبو ظبي، وهو ما تزامَن مع وصول نائب الرئيس الإماراتي، منصور بن زايد، إلى السعودية.
وإذ يبدو من العلامات الفارقة في هذه الزيارة أن الإمارات لم تُبقِ على سرّيتها – وإن لم تكشف عن تفاصيلها – بل جاهرت بها عبر «وكالة أنباء الإمارات»، فإن ثمّة جانباً محتملاً هنا لا يمكن إغفاله، هو محاولة أبو ظبي دعم نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المُقرَّرة في 27 تشرين الأول المقبل. ففي الوقت الذي يجد فيه الأخير نفسه معزولاً في العالم، ويذهب تسلّلاً إلى نيويورك لإلقاء خطاب في الجمعية العامة للأمم المتحدة – تهرّب من الاستماع إليه معظم الوفود -، وفي حين يتجنّب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاجتماع به حتى عندما كانا في المبنى نفسه في المدينة، يستضيفه الرئيس الإماراتي في أبو ظبي في وضح النهار، لتكون الرسالة الضمنية: العرب «المعتدلون» لا يريدون «معتدلين» في إسرائيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى