الجنوب أمام الفراغ: باب التمديد يُقفل وبديل اليونيفيل يتعثّر
ندى أندراوس - المدن

قبل أقلّ من شهرين على انتهاء ولاية اليونيفيل، يدخل لبنان مرحلة توقّف العمليات الأممية في الجنوب، للمرّة الأولى منذ عقود، فيما يُجهَل مَن سيتولّى مهامّ المراقبة والاتصال الميداني بعدها. وبحسب مصادر عسكرية وسياسية لـِ «المدن»، يواصل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون اتصالاته لإبقاء غطاء دولي في الجنوب، لكنّ المساعي لم تلقَ حتى الآن تجاوباً يتيح إعادة فتح باب التمديد، أو يضع على الطاولة بديلاً قابلاً للانتشار عند انتهاء الولاية. وفي الوقت نفسه، وزّعت السفارة الأميركية بياناً مشتركاً لخمس سفارات يطالب بالتزام لبناني علني بحصرية قرار الحرب والسلم. غابت فرنسا عنه، فيما كانت قبل أسابيع تدعو إلى إطار دولي يمنع الفراغ في الجنوب.
التمديد يُقفَل سياسياً
حدّد القرار 2790، الذي اعتمده مجلس الأمن في آب 2025، الحادي والثلاثين من كانون الأول 2026 موعداً لانتهاء ولاية القوات الدولية العاملة في الجنوب بعد تمديدها للمرّة الأخيرة. ومن ذلك التاريخ تبدأ عملية خفض عديد القوة وانسحابها خلال سنة. وخلال هذه المرحلة تبقى للوحدات المنسحبة صلاحيات محدودة، منها حماية أفراد الأمم المتحدة ومنشآتها والمساهمة، ضمن قدراتها، في حماية المدنيين وتيسير إيصال المساعدات. أمّا استمرار الدوريات والمراقبة والاتصال الميداني وفق الولاية الحالية، فيحتاج إلى قرار جديد. لهذا السبب تحديداً طلبت بعبدا التمديد، أو استمرار المهامّ الأمنية في العام 2027، وأبدت استعدادها للقبول بصيغة أخرى تُبقي حضوراً دولياً في الجنوب.
تفيد المعطيات التي تستند إليها مصادر سياسية مطّلعة بأنّ الاتصالات الرئاسية لم تُحدث تغييراً في مواقف العواصم المعنية. وفي مجلس الأمن، تبقى العقدة في الموقف الأميركي. فحتى لو أمكن حشد تأييد لتأجيل الانسحاب أو لتمديد قصير، يبقى صدور قرار جديد مرهوناً بعدم اعتراض واشنطن عليه بالفيتو. وبحسب تقدير المصادر، تلاشى عملياً أمل التمديد في ظلّ المواقف القائمة. ويزيد اعتراض إسرائيل على قيام قوة بديلة من صعوبة التوصّل إلى صيغة تستطيع العمل ميدانياً، حتى لو لقيت تأييداً أوروبياً.
حتى السفينة الألمانية خارج الحسابات
طرح الأمين العام للأمم المتحدة خيارات متفاوتة في الحجم والصلاحيات، من حضور محدود للتحقّق إلى بعثة أوسع تتولّى المراقبة والاتصال وتدعم انتشار الجيش اللبناني. وأبدت فرنسا وإيطاليا استعداداً للمساهمة في إطار دولي جديد. لكنّ مؤشّر الانسداد، وفق مصادر عسكرية مطّلعة لـِ «المدن»، هو أنّ التعثّر بلغ حتى الشقّ البحري من المهمّة. فالألمان، الذين تولّوا قيادة القوة البحرية التابعة لليونيفيل، بحثوا في إمكان إبقاء سفينة ألمانية قبالة الساحل اللبناني بعد انتهاء الولاية، في وقت تستعدّ فيه سفن القوة البحرية للمغادرة. غير أنّ خيار بقائها لم يلقَ قبولاً، وفق المصادر، بالتوازي مع تعثّر ترتيبات التحقّق التي جرى التداول بها.
وتكشف صيغة السفينة الواحدة حجم التراجع في الخيارات. فقد كان البحث يدور حول إبقاء جزء من الحضور القائم في البحر، بقطعة بحرية واحدة، فيما بقيت وظيفة المراقبة على الخطّ الأزرق والاتصال الميداني في البرّ معلّقة. واستمرار مهمّة بحرية بعد انتهاء الولاية كان يقتضي تحديد الجهة التي تفوّضها، والمهامّ التي تتولّاها، وكيفية تنسيق عملها مع البحرية اللبنانية. ومع استبعاد بقاء السفينة، يبقى مصير الحضور الدولي في البحر معلّقاً أيضاً. وعند انتهاء الولاية، تبرز فجوتان مختلفتان أمام الجيش اللبناني: مَن يتولّى المراقبة والاتصال على الخطّ الأزرق، وكيف يستمرّ إسناد البحرية اللبنانية بعد مغادرة سفن القوة الدولية؟ حتى الآن، لا ترتيب جاهزاً لأيٍّ من المهمّتين.
وفي موازاة ذلك، كان الاتحاد الأوروبي قد أقرّ بعثة لدعم قدرات الجيش وقوى الأمن الداخلي والمساعدة في حوكمة الأمن البحري. تستطيع هذه البعثة أن تعزّز قدرة الجيش على الانتشار، فيما تبقى مهمّة التحقّق من الحوادث على الخطّ الأزرق ورفع التقارير بشأنها والاتصال الميداني بالطرفين بحاجة إلى تفويض وترتيبات مستقلّة. وتلك هي المسألة التي تجعل انتهاء عمليات اليونيفيل أكثر إلحاحاً من موعد مغادرة آخر جندي أممي. فعند وقوع حادثة ميدانية، يتيح وجود طرف ثالث التحقّق منها قبل أن تتحوّل روايتان متعارضتان إلى ذريعة للتصعيد. ومع بقاء قوات إسرائيلية في أراضٍ لبنانية، قد يضطرّ الجيش إلى إدارة نقاط تماسّ مباشرة في وقت تتراجع فيه أدوات الوساطة الميدانية.
بيان «التفجير»؟
في الخامس من تشرين الثاني، صدر بيان «أصدقاء لبنان» باسم سفارات المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا وكندا واليابان. وجمع البيان بين مطلب قضائي وآخر سياسي. ففي قضية متفجّرات ضهر البيدر، دعت السفارات إلى أن يبتّ القضاء في الملفّ من دون إبطاء أو ضغوط سياسية، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات. وفي ملفّ سلاح حزب الله، أيّدت بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بها، وطالبت النوّاب والأحزاب جميعاً بإعلان تأييدهم لموقف الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام من حقّ الدولة الحصري في تقرير الحرب والسلم.
الأثقل سياسياً في البيان هو توجيه الطلب إلى كلّ نائب وكلّ حزب على حدة. فقضية المتفجّرات لها مسارها القضائي، لكنّ السفارات اتّخذت منها مناسبة لمطالبة القوى السياسية بتبنّي موقف علني من الجهة التي تقرّر دخول لبنان في مواجهة. هكذا وسّع البيان دائرة المسؤولية من الرئاستين والحكومة إلى القوى الممثّلة في مجلس النوّاب، وضيّق هامش الاكتفاء بتأييد عامّ لسلطة الدولة مع إبقاء الموقف من قرار الحرب معلّقاً. وفي المقابل، بقي البيان محصوراً بما يُطلب من المؤسّسات والقوى اللبنانية، فيما خلا من مطالب محدّدة تتعلّق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب. ولهذا التفاوت أثر سياسي في الداخل، إذ تستطيع القوى المعترضة أن تنقل السجال من المساءلة في قضية المتفجّرات إلى مضمون الضغط الخارجي وتوقيته.
لماذا غابت فرنسا؟
قالت مصادر دبلوماسية غربية لـِ «المدن» إنّ غياب فرنسا يتعلّق بالتحفّظ على طريقة الضغط وتوقيته. فباريس أعلنت بوضوح، في ختام زيارة وزير خارجيتها جان نويل بارو والوزيرة المنتدبة لدى وزيرة الجيوش أليس روفو في تشرين الأول الماضي، تأييدها التنفيذ الفعلي لحصرية السلاح وتعزيز قدرات الجيش. لكنّها وضعت ذلك في سياق احترام وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، واحترام وحدة الأراضي اللبنانية، وإيجاد إطار دولي لما بعد اليونيفيل. أمّا في قضية متفجّرات ضهر البيدر، فترى المصادر الدبلوماسية أنّ باريس رأت في مطالبة النوّاب والأحزاب بتعهّدات علنية، في خضمّ قضية قضائية حسّاسة، ضغطاً يضيّق هامش الدولة في إدارة الملفّ ويزيد احتمال تحوّله إلى مواجهة داخلية.
وتتّصل هذه المقاربة أيضاً بالدور الذي تريد فرنسا الاحتفاظ به في مجلس الأمن، حيث تتولّى صياغة مشاريع القرارات الخاصّة بلبنان. تستطيع باريس طرح صيغة تستبقي وظيفة المراقبة والاتصال، لكنّ قدرتها على تمريرها تتوقّف على الموقف الأميركي وعلى إمكان تشغيلها في الميدان. في المقابل، تُظهر واشنطن، من خلال البيان الذي وزّعته سفارتها، استعداداً لحشد ضغط دبلوماسي حول ما تعتبره استحقاقاً لبنانياً داخلياً. والفارق بين المسارين يظهر في المواعيد والالتزامات: ثمّة تاريخ محدّد لتوقّف عمليات القوة الدولية، ومطلب معلن من النوّاب والأحزاب، فيما تبقى الجهة التي ستراقب الخطّ الأزرق وتوثّق الخروق بعد انقضاء الولاية بلا تفويض محسوم.
المصير المجهول
في بيان السفارات الخمس، المطلوب من اللبنانيين واضح: أن تلتزم القوى السياسية علناً بأنّ الدولة وحدها تقرّر الحرب والسلم، وأن تترجم هذا الالتزام على الأرض من خلال حصر السلاح بيد قواها العسكرية. لكنّ قدرة الدولة على صون هذا القرار ستُختبر في الجنوب، حيث يستعدّ الجيش لتحمّل مسؤوليات أوسع مع انتهاء ولاية اليونيفيل، فيما يستمرّ الاحتلال الإسرائيلي وتغيب صيغة دولية جاهزة لمراقبة الخروق واحتواء التصعيد. وغياب فرنسا عن البيان يكشف تبايناً في طريقة الضغط على الداخل اللبناني، فيما يبقى التوافق الدولي على ترتيبات ما بعد اليونيفيل بعيد المنال.
وحين تتوقّف دوريات القوة الدولية وتغادر سفنها، سيُقاس معنى هذه التعهّدات عند أوّل خرق على الخطّ الأزرق. فهل تستطيع الدولة، التي يُطلب منها أن تحسم مَن يملك قرار الحرب في الداخل، أن تحمي قرار السلم إذا بقي جيشها في مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي، من دون طرف دولي يتولّى التحقّق ويتدخّل قبل أن تتحوّل الحادثة إلى مواجهة؟




