
مع بداية كل شهر أيلول من كل عام، يبدأ الحديث عن المدرسة وتعليم الأبناء؛ وهو هاجس يرافق الأسرة، ويلقي أعباءً ثقيلة على كاهل غالبية أبناء الوطن.
نعم، يهمني هذا الموضوع، وأنا الذي مررت
بهذه المرحلة وكنت في صميمها، وأدركت أن نجاح التعليم هو من الركائز التي يتوقف عليها نجاح أولياء الأمور، وبالتالي نجاح الوطن وقدرته على النهوض من مشكلاته.
منذ الاستقلال، لم يقم التعليم في لبنان على سياسة تربوية واضحة، محددة الأهداف والمعالم.
وأسأل جميع وزراء التربية الذين تعاقبوا على الوزارة:
هل حاولتم وضع خطة واستراتيجية تربوية لمرحلة زمنية محددة، تُرسم فيها الأهداف، وتُحدد فيها سبل النهوض بالقطاع التربوي، ويُصار إلى تقييم نتائجها ومراجعتها؟
إن من يطلع على الملف التربوي في لبنان
يصل إلى نتائج تؤكد صحة ما أقول.
فبناء الأوطان لا يمكن أن يقوم على مدارس تعمل كل منها وفق رؤيتها الخاصة، أو وفق ما يتوافر لها من دعم داخلي أو خارجي.
وتؤكد الإحصاءات في سنوات سابقة أن نحو خمسة وثلاثين بالمئة من التلامذة، أي ما يقارب ثلاثمئة وخمسين ألف تلميذ، يلتحقون بالمدارس الرسمية،
في حين يلتحق نحو خمسة وستين بالمئة، أي ما يقارب ستمئة وخمسين ألف تلميذ، بالمدارس الخاصة غير المجانية.
كما أن هناك نحو مئة وخمسة عشر ألف تلميذ
في المدارس شبه المجانية، وهي ظاهرة كُتب عنها الكثير، وطالب عدد من القيّمين والمهتمين بالشأن التربوي بإلغاء هذا النوع من التعليم، الذي يعتبره كثيرون بابا من أبواب التنفيعة لأصحاب النفوذ
وبعض المدارس ذات الطابع الطائفي.
وحتى تاريخه، يبدو أن أهل السلطة لا تهزّهم الرياح ولا العواصف، ولا تدفعهم الأزمات المتراكمة إلى اتخاذ
القرارات الجريئة التي يحتاج إليها الوطن.
وقد قرأنا عن مسؤولين في التربية يعارضون رفع الأقساط المدرسية في التعليم الخاص، معتبرين
أن ذلك يجعل التعليم طبقيًا.
وأقول: أليس من واجب المواطن اللبناني،
مهما علا شأنه وارتفع منصبه، ولا سيما الموظفين في مختلف القطاعات الرسمية، المدنية منها والعسكرية،
أن يرسلوا أبناءهم إلى المدرسة الرسمية، وأن يعملوا على دعمها وتعزيز مكانتها؟
لكنني أعرف، كما يعرف كثيرون، أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس؛ فكثير من الموظفين يرسلون أبناءهم إلى التعليم الخاص، وفي الوقت نفسه يستفيدون من منح التعليم.
وهنا تكمن الطامة الكبرى!
أي عقل يحكمنا؟ ومن يتحكم بمصير مستقبلنا؟
الكل يعلم أن التعليم الرسمي في الدول المتقدمة يأتي في المرتبة الأولى، وأن غالبية التلامذة يتعلمون
في مؤسسات التعليم الرسمي، لأنها تمثل إحدى أهم ركائز الدولة والمجتمع.
أليست مشكلة التعليم، وعدم العمل الجدي على حلها،
من أهم أسباب أزماتنا الوطنية؟
أليس دعم المعلمين والأساتذة، وتعزيز أوضاعهم،
والسهر على تطوير مهاراتهم، وتأمين بيئة تعليمية سليمة لهم، خطوة أساسية على طريق إنجاح التعليم الرسمي؟
أليس حريًا بنوابنا الكرام، إذا كنتم تحاولون
القيام بدوركم الوطني، أن تعملوا على إلغاء التعليم شبه المجاني، وإعادة النظر في منح التعليم
المخصصة لموظفي الدولة؟
هذه مهمة لا يقوم بها إلا أصحاب
الإرادة الوطنية الصلبة.
تفضلوا وبادروا، واعملوا على دعم القطاع
الرسمي بالأموال التي تُهدر على التعليم المجاني ومنح التعليم، واجعلوا هذه الأموال استثمارًا
في المدرسة الرسمية، وفي الإنسان اللبناني، وفي مستقبل الوطن.
ومن يطلع على نتائج الامتحانات الرسمية في السنوات الماضية، يكتشف أن المدرسة والثانوية الرسمية، رغم الصعوبات التي تمر بها، ورغم الإضرابات ومعاناة الأساتذة والمعلمين، حققت في كثير من الأحيان نتائج مشرّفة، بل تفوقت
في بعض السنوات والمراحل على مدارس خاصة كثيرة.
إن المواطن الذي يعمل ويطمح إلى نجاح أولاده،
يمكنه أن يبدأ بالخطوة الأولى بإرسالهم إلى المدرسة الرسمية، وأن يسهر ويكافح لإنجاحها بكل الوسائل الممكنة، بالتعاون مع البلديات والجمعيات الأهلية،
وصولًا إلى مطالبة القيّمين على الشأن العام، بل وإلزامهم، باتخاذ الخطوات التي تجعل من مدارسنا قلاعًا للعلم والمعرفة، تخرّج أبناءً يحملون مشعل الوطن والوحدة الوطنية.
إن أول خطوة في بناء اللحمة بين أبناء الأمة
هي أن تكون مؤسساتنا الوطنية متساوية في الحقوق والواجبات، وأن تتنفس برئة واحدة، بعيدًا عن التمييز والانقسام.
لا تغمضوا عيونكم، ولا ترموا الحمل على غيركم،
يا من حكمتم هذا الوطن.
لم تكونوا، في كثير من المراحل، على مستوى المسؤولية والقيادة، وما زال الحبل فالتًا، وكل يأتي ليعمل لمصلحته، ويبني لقصره، ويعلّم أولاده في دكاكين الداخل أو في مؤسسات خارج الوطن.
أنتم تتحملون مسؤولية كبيرة عن هذا البلاء، ومع استمرار هذه السياسات لن تقوم قيامة الوطن.
اسمحوا لي أن أقول هذا، لأن المشكلة واضحة،
ولأن أسبابها معروفة، ولأن ما ينقصنا ليس التشخيص، بل الإرادة الحقيقية للعمل على الحل.
فالوطن الذي يريد أن يبني مستقبله، عليه أن يبدأ من مدرسته؛ والمدرسة التي لا تُبنى على سياسة تربوية وطنية واضحة، لا تستطيع أن تبني وطنًا قويًا، موحدًا، وقادرًا على مواجهة المستقبل.




