عباس أبو صالح: حارس الذاكرة التاريخية للموحدين الدروز ومرجع التاريخ السياسي للمشرق
بقلم: د. هشام الأعور

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية، وتتعرّض فيه الذاكرة الجماعية لمحاولات الطمس والتشويه، يبرز اسم الدكتور عباس أبو صالح بوصفه واحداً من أبرز المؤرخين والباحثين الذين كرّسوا حياتهم لحفظ تاريخ الموحدين الدروز وتوثيق الدور السياسي والاجتماعي الذي أدّوه في لبنان والمشرق العربي عبر قرون طويلة من التحولات والصراعات.
ينتمي عباس أبو صالح إلى بلدة بتلون الشوفية، تلك البلدة التي شكّلت جزءاً من البيئة الفكرية والوطنية التي أنجبت العديد من الشخصيات الثقافية والسياسية البارزة. ومن هذا الانتماء العميق إلى الأرض والتاريخ، انطلق مشروعه الفكري والعلمي، فحوّل اهتمامه بالتاريخ إلى مشروع أكاديمي متكامل جعله مرجعاً أساسياً لكل من يبحث في تاريخ الموحدين الدروز، وفي تطور الحياة السياسية اللبنانية والمشرقية الحديثة.
لم يكن عباس أبو صالح مجرد أستاذ جامعي أو مؤرخ تقليدي يكتفي بسرد الوقائع، بل كان صاحب رؤية فكرية ومنهجية عميقة، تعامل مع التاريخ باعتباره أداة لفهم المجتمع وتحولاته السياسية والاجتماعية والثقافية. ومن خلال عمله أستاذاً للتاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت، أسهم في تكوين أجيال من الباحثين والطلاب الذين وجدوا في منهجه العلمي نموذجاً في الدقة الأكاديمية والموضوعية والجرأة الفكرية.
تميّز مشروعه البحثي بقدرته على الربط بين الوثيقة التاريخية والتحليل السياسي، وبين القراءة الأكاديمية وفهم تعقيدات المجتمع اللبناني والمشرقي. لذلك جاءت أعماله بعيدة عن السرديات الانفعالية أو المقاربات الطائفية الضيقة، مقدّمةً قراءة علمية متوازنة لدور الموحدين الدروز في صناعة تاريخ المنطقة وتحولاتها الكبرى.
وقد ترك الراحل إرثاً فكرياً واسعاً توزّع بين الكتب والأبحاث والدراسات المكتوبة باللغتين العربية والإنكليزية، ما منح أعماله حضوراً أكاديمياً عربياً ودولياً. ومن أبرز مؤلفاته:
تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي
التاريخ السياسي للإمارة الشهابية
Modern History of Lebanese Foreign Policy
أبحاث في التاريخ السياسي والاجتماعي للموحدين الدروز
الثورة ضد إبراهيم باشا في سوريا
مقالات في التوحيد
الجمهورية التركية والشرق الأدنى
المزارات والمقامات الروحية في لبنان: سيرة وتاريخ
The Role of the Druze in the Region 1842–1958
الأزمة اللبنانية عام 1958 في ضوء وثائق يكشف عنها لأول مرة
إلى جانب عشرات المقالات والدراسات والأبحاث التي تناولت تاريخ لبنان الحديث، والتحولات السياسية في المشرق العربي، والعلاقات الاجتماعية والفكرية داخل البيئة الدرزية.
وقد شكّلت كتاباته حول الموحدين الدروز نقلة نوعية في دراسة تاريخ الطائفة، إذ نجح في إخراج هذا التاريخ من إطار الروايات التقليدية والمقاربات الشفوية إلى فضاء البحث العلمي الرصين القائم على الوثائق والمصادر والمقارنة التاريخية. فكان من أوائل الباحثين الذين سعوا إلى تقديم قراءة منهجية وعلمية لتاريخ الموحدين الدروز، بوصفهم جماعة لعبت دوراً محورياً في تكوين الكيانات السياسية في المشرق العربي، وأسهمت في صياغة الكثير من التحولات الكبرى في لبنان وسوريا والمنطقة.
كما استطاع، من خلال مؤلفاته وأبحاثه، أن يربط بين التاريخ المحلي والتحولات الإقليمية، وأن يقدّم صورة متكاملة عن الدور الوطني والقومي الذي أدّاه الدروز في المشرق العربي، بعيداً عن القراءات الاختزالية أو النظرة الطائفية الضيقة. لذلك لم تكن أعماله مجرد توثيق تاريخي، بل مساهمة فكرية عميقة في فهم طبيعة لبنان السياسية والاجتماعية وتعقيدات الشرق العربي الحديث.
وفي كتابه حول أزمة عام 1958، قدّم نموذجاً متقدماً في البحث التاريخي، معتمداً على وثائق وشهادات كُشف عنها للمرة الأولى، الأمر الذي جعل الكتاب مرجعاً أساسياً لفهم واحدة من أخطر المحطات المفصلية في تاريخ لبنان الحديث، بعيداً عن الروايات السياسية المتناقضة والانقسامات الأيديولوجية.
أما في كتابه المزارات والمقامات الروحية في لبنان: سيرة وتاريخ، فقد أضاء على البعد الروحي والثقافي للهوية اللبنانية والدرزية، موثقاً تاريخ المزارات والمقامات ودورها في تكوين الوعي الجماعي والذاكرة الروحية للمجتمع. وفي كتابه The Role of the Druze in the Region 1842–1958، قدّم دراسة معمّقة للدور السياسي الذي لعبه الدروز في المشرق خلال مرحلة مفصلية شهدت انهيار الإمبراطوريات وولادة الكيانات الحديثة.
لقد أدرك عباس أبو صالح مبكراً أن حماية الهوية لا تكون بالشعارات والخطابات العابرة، بل بحفظ الذاكرة الجماعية وصون التاريخ من التزوير والنسيان. ولذلك تحوّل مشروعه الفكري إلى ما يشبه عملية توثيق كبرى للوعي التاريخي والسياسي للموحدين الدروز، وللدور الذي لعبوه في بناء الحياة السياسية اللبنانية والمشرقية.
رحل الدكتور عباس أبو صالح عام 2011، لكن إرثه العلمي لا يزال حاضراً بقوة في الجامعات ومراكز الأبحاث وبين المهتمين بتاريخ لبنان والموحدين الدروز. فالمؤرخ الحقيقي لا يغيب برحيله الجسدي، لأن أثره يبقى حياً في الوعي والذاكرة والكتب التي تتحول مع الزمن إلى مراجع لا يمكن تجاوزها.
وإذا كان للتاريخ رجالٌ يحرسون ذاكرة الأمم من الضياع، فإن عباس أبو صالح كان واحداً من أبرز حرّاس الذاكرة التاريخية للموحدين الدروز ولبنان، وصاحب مشروع فكري وأكاديمي سيبقى شاهداً على مرحلة كاملة من البحث الجاد، ودليلاً على أن الكلمة العلمية الصادقة قادرة على مواجهة النسيان وهزيمة الزمن.




