اخبار عربية ودولية

الخلاف التركي- الإسرائيلي… مناورة سياسية أم تحجيمٌ لدور أنقرة الإقليمي؟

بقلم: د. نسيب حطيط

انفجر الخلاف التركي-الإسرائيلي الكلامي والمتبادل، باستنساخٍ مكرّر لتجارب ماضية كان أبطالها الثنائي “نتنياهو-أردوغان”، لحاجتهما لهذا الخلاف، لحصد نقاط داخل إسرائيل وتركيا، إما لحاجاتٍ انتخابية، أو لتغطية التحالف الاستراتيجي بينهما، أو ضمن توزيع الأدوار التي تستدعي إظهار العداء بينهما لخداع بعض الأطراف العربية والإسلامية لتنفيذ ما تبقى من المشروع الأمريكي-الإسرائيلي للسيطرة على الشرق الأوسط، حيث تدور كل هذه الخلافات تحت سقف إبقاء العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية-التركية، وتأمين تركيا لحاجات إسرائيل النفطية والاقتصادية بعدما أغلق “أنصار الله” في اليمن البحر الأحمر ضد السفن الإسرائيلية “إسناداً” لغزة وأُقفلوا مرفأ إيلات.

إن ما يميز هذا الخلاف الآن، تطوّره الساخن عبر مبادرة إسرائيل لقصف مطار أبو الظهور العسكري في سوريا لمنع تمركز القوات التركية، بعد فشل التحذيرات والتنبيه الإسرائيلي لسوريا وتركيا وإبلاغهم عدم موافقتها على هذا التواجد العسكري التركي، لأنه يخرق اتفاق تقاسم النفوذ في سوريا بعد إسقاط نظام الرئيس الأسد، وتوزيع غنائم سقوط سوريا على الدول المشاركة في الحرب عليها، حيث تُمنع تركيا من تجاوز حصتها في سوريا رغم أنها شريكٌ وصديق ” ذهبي” لإسرائيل(تركيا اول دولة مسلمة اعترفت بإسرائيل عام 1949) طالما أنها تخدم المشروع الإسرائيلي-الأمريكي، لكن أي تجاوز لهذا الدور سيتم تأديبها وصفعها ، لإلزامها بالدور والوظيفة المكلّفة بها، مع السماح لها بالخطابات عالية النبرة ،بشرط ألا تتحول أقوالها إلى أفعالٍ ضد إسرائيل أو داعمةٍ لأي طرفٍ يقاومها.

إن القصف والتحذيرات الإسرائيلية الناعمة والساخنة لتركيا تعطي أجوبةً صريحة وجرس إنذارٍ لكل المهرولين للاستسلام وخاصة المراهقين السياسيين الجدد في لبنان ومعهم العملاء القدامى وبعض الخائفين والانتهازيين والمخادعين وتنذرهم حتى لا يتحصنوا “بالوهم” ولا يخوضوا تجربة الاستسلام والتنازل والاتفاقات الأمنية مع إسرائيل التي لا تشكل أماناً او وسيلة لاسترداد الحقوق ولا ضماناً بعدم الإعتداء بل تعطي إسرائيل ما تطلب دون مقابل، فليسوا أقوى من تركيا وسوريا وعليهم استخلاص العبر والنتائج من التجربة التركية والسورية مع العدو الإسرائيلي واستخلاص بعض الملاحظات التالية:
– عدم سماح إسرائيل بشراكة أحدٍ معها ولو كان بمستوى تركيا، عضو “الناتو” والحليف الاستراتيجي لها، بل تقبلهم كأدوات تنفيذية لتحقيق مشاريعها العدوانية والاستيطانية.
– إسقاط إسرائيل لكل الصداقات والتحالفات وتقصفها إذا شعرت بتهديدٍ مفترض وفق استراتيجية الدفاع الاستباقي.
– لا أمان ولا ضمانات من إسرائيل لأحد سواء كان صديقاً أو حليفاً أو عميلاً أو مقاوماً، فالكل متهم ومهدد وهدف دائم للقصف والاغتيال.
– لا تتعامل إسرائيل مع أحد كصديق بل كعميل، سواء كان فرداً أو جماعة أو نظاماً أو دولة، وعندما تنتهي مهمتهم تركلهم وتتركهم “كبغايا سياسيين” دون حماية أو تعويض.
– بقاء الهراوة الأمريكية-الإسرائيلية مرفوعةً فوق رأس تركيا ورأس النظام السوري الجديد الذي نصّبته أمريكا وتركيا بشراكة إسرائيلية لاستكمال المهمة الموكلة لهما، وليس وفق الاجتهادات والمناورات التركية في المنطقة، وإلا فالتأديب الساخن جاهز، سواء بالقصف الإسرائيلي المباشر الذي صمتت عنه تركيا وابتلعته، أو بإعادة تحريك الأكراد ، أو بافتعال انقلابٍ داخلي في تركيا ضد أردوغان.
إن القصف الإسرائيلي التأديبي لمطار “أبو الظهور” في سوريا صفعة معنوية “لأردوغان”، الذي ظهر كعاجز عن الدفاع عن نفسه مما يُسقط ادعاءه بالقدرة على الدفاع عن سوريا ولبنان وغزة، وأسقط شعاره ( إن أمن تركيا لا يبدأ من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت )وطالما أن العدو الإسرائيلي أسقط أمن بيروت الذي أعادت إيران حفظه “مؤقتاً”، وأسقطت اسرائيل أمن دمشق وحلب، مما يعني انها اسقطت أمن تركيا وصمت اردوغان ولم يرد!
إن أي دورٍ تركي في سوريا ولبنان وغزة أو غيرها يجب أن يكون ضمن المسار المرسوم أمريكياً وإسرائيلياً للاستعانة به لإسقاط من تعجز إسرائيل وأمريكا عن إسقاطه ، فيتم الاستعانة بتركيا للالتفاف عليه والظهور كصديق وناصحٍ يزيّن التنازلات لتقليل الخسائر!
إن مصداقية تركيا تبدأ بقطع علاقاتها الدبلوماسية والعسكرية مع العدو الإسرائيلي، وبدل أن تنشر مذكرة توقيف عبر “الإنتربول” فلتبلغها للسفارة الإسرائيلية في تركيا ولتقطع حبل السرّة الاقتصادي معها حتى نصدقها بأن ما يجري هو حقيقي وليس مناورة خادعة لتأمين التسلل التركي لتوسعة نفوذه الجغرافي في لبنان وسوريا كوريث للنفوذ الإيراني، وبديلاً للوجود العربي المشتت والضعيف.
سوء الظن المرتكز على التجربة والواقع ،حصنٌ ومتراس للنجاة من افخاخ الخديعة وفق حكاية “ليلى والذئب”، ونسختها المعاصرة “تركيا وزالمقاومة”
.احذروا أيها المقاومون…واتعظوا أيها المستسلمون!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى