
في ظلّ لجوء واشنطن إلى ما وصفه الرئیس الأميرکي، دونالد ترامب، بـ»العملية الاقتصادية الأكثر سحقاً»، كخيار بديل يؤمل منه كسر الجمود في المواجهة العسكرية، يُطرح السؤال حول كيفية ردّ إيران على هذه الاستراتيجية التي تستهدف خنق اقتصادها. ورغم أن تفاصيل الاستراتيجية الأميركية الجديدة لم تتكشّف بعد بشكل كامل – في انتظار الإعلان المُرتقب لوزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الإثنين المقبل -، إلا أن المؤشرات الأولية توحي بأن الولايات المتحدة تتّجه نحو «توسيع شعاع التخريب الاقتصادي»، وذلك عبر فرض عقوبات ثانوية عابرة للحدود تستهدف، بشكل مباشر، الدول الثالثة التي لا تزال تحافظ على قنوات تبادل تجاري مع طهران.
ورغم التضخيم الذي تمارسه الإدارة الأميركية لتصوير إجراءاتها الاقتصادية بوصفها «سلاحاً حاسماً»، إلا أن تلك الإجراءات تبدو أقرب إلى محاولة مكشوفة لتغطية الإخفاق الاستراتيجي ضدّ إيران، وصناعة «رواية نصر» تعوّض العجز الميداني. والواقع أن هذه التحرّكات ليست في جوهرها سوى استنساخ لسياسة «الضغوط القصوى» التي انتهجها ترامب في ولايته الأولى عام 2018 – عقب انسحابه من الاتفاق النووي -؛ وهي السياسة التي أثبتت، حينها، عجزها التامّ عن انتزاع تنازلات إيرانية في الملفات الجوهرية (النووية، والصاروخية، والسياسات الإقليمية).
ولعلّ هذا الفشل التاريخي هو الذي دفع الولايات المتحدة لاحقاً إلى خيار الحرب العسكرية، التي لم تُفض، رغم ما حقّقته من اختراقات تكتيكية (كالاغتيالات، والضربات للبنية التحتية العسكریة والمدنیة)، إلى أيّ انتصار ملموس. لا بل أدّت تلك المواجهة إلى تبلور معادلة ردع جديدة لصالح طهران، في مقدّمة عناوينها ورقة «مضيق هرمز» التي باتت بمثابة سلاح استراتيجي في أيدي الإيرانيين.
اليوم، يعود ترامب إلى «المربّع الأول»، ولكن بجرعة مضاعفة، مبقياً بلاده في حلقة مُفرغة من الفشل الذي يتكرّر بصيغ مختلفة. وإذا كانت الضربات العسكرية أثبتت فشلها الذريع في دفع الجمهورية الإسلامية إلى الاستسلام، فإن خيار «الضغط الاقتصادي» الموسّع الذي عادت إليه واشنطن لا يحمل الطبيعة «الفورية» التي تتّسم بها العمليات العسكرية. وحتى لو أثمرت هذه الضغوط، فإن ترجمة شحّ النقد الأجنبي، وشلل التجارة، وتراجع العائدات النفطية إلى تغيير حقيقي في حسابات طهران، هي عملية تستغرق أشهراً طويلة، وهو ما يشكّل «كعب أخيل» الاستراتيجية الأميركية المُستجدّة.
وعليه، يجد الرئيس الأميركي الذي بنى رصيده السياسي على «الانتصارات الخاطفة»، نفسه الآن غارقاً في حرب يُعدّ «الصبر» سلاحها الأساسي؛ وهو صبر باهظ التكلفة بالنسبة إليه، إذ سرعان ما انعكس صدى التلويح بـ»الضغط الأقصى» ارتفاعاً جنونياً في أسعار النفط العالمية. وبحسب تقارير «رويترز»، بدأت فاتورة الوقود المرتفعة تنهش رصيد شعبية الرئيس الأميركي، وذلك في توقيت حسّاس يسبق انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني المقبل، وهو ما يضع مستقبل الإدارة على المحك.
ويبدو أن طهران تدرك هذه المعادلة تماماً، وهي تكرّس كل جهدها للاستفادة منها. فمن وجهة نظر صانع القرار في إيران، من شأن استمرار الوضع الراهن أن يرفع كلفة الحرب إلى مستويات يصعب على الداخل الأميركي تحمّلها. ومما يعزز تلك القراءة، البيانات المُقلِقة التي تفيد بارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة بنحو 29% مقارنة بالعام الماضي؛ وهو ما اضطر ترامب، في الأيام الأخيرة، إلى إلقاء خطاب حاول من خلاله تبرير الأكلاف الباهظة للحرب.
تتّسع رقعة الحسابات الإيرانية لتشمل المتغيّرات الداخلية في واشنطن
هكذا، تتّسع رقعة الحسابات الإيرانية لتشمل المتغيّرات الداخلية في واشنطن، من احتمال تغيّر تركيبة «الكونغرس» وتصاعد الأصوات المعارضة للحرب، وصولاً إلى التقارير الاستخبارية التي تتحدّث عن استنزاف متسارع في مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية، والتكاليف الباهظة لمنظومات الدفاع في مواجهة الهجمات الإيرانية النوعية. وفي ظلّ هذه المعطيات، تجد طهران في «عامل الزمن» حليفاً استراتيجياً، تراهن عليه لإنهاك خصم يبدو أنه، رغم قوته العسكرية، قد بدأ يفقد توازنه أمام تعقيدات «حروب الاستنزاف» الطويلة.
في الوقت نفسه، لا تمثّل موجة الضغوط الاقتصادية الأميركية الجديدة «مفاجأة» لطهران؛ فالأخيرة راكمت خبرة طويلة في التعايش مع العقوبات لعقود، وهو ما عزّزته خلال الأشهر الماضية مع مواجهتها الحصار البحري الذي استهدف خنق عصب التصدير، والتبادل التجاري.
وفي هذا السياق، يشير خبراء العقوبات إلى براعة طهران في تفعيل شبكات التملّص، وتطويرها أساليب مبتكرة لإدارة تجارتها الخارجية – بما في ذلك ما يُعرف بـ»أسطول الظل» لنقل النفط -، وتوظيفها واجهات تجارية وقنوات مالية غير مُدرجة على قوائم الحظر الأميركية.
أمّا العقوبات الأميركية الجديدة، فتظلّ رهن إرادة الدول الثالثة التي تحاول الولايات المتحدة إقحامها في هذه المواجهة، من حلفائها كتركيا والعراق وباكستان، وصولاً إلى القوى الدولية الكبرى كالصين. وفي هذا الإطار، من المُستبعد جداً أن تنجرف قوى من مثل الصين أو روسيا وراء تلك السياسات، ما يفرغ التهديدات الأميركية من جزء كبير من محتواها العملي. وتجسيداً لهذا الموقف، شدّد المتحدّث باسم الخارجية الصينية، لين جيان، أمس، على أن الضغوط والعقوبات الأحادية، لا تشكّل حلاً للأزمات في الشرق الأوسط. وأكّد رفض بكين لـ»العقوبات الأحادية غير القانونية»، معتبراً أنها تفتقر إلى أي أساس في القانون الدولي، ولا تحظى بتفويض من مجلس الأمن الدولي.
بيدَ أن الرهان الإيراني ليس مقصوراً على العوامل المتقدّمة، بل ثمّة قناعة تترسّخ في طهران بأن الردّ يجب أن يتجاوز الاقتصاد إلى الميدان، وأن لا يقتصر على جغرافيا المواجهة التقليدية، بل أن يمتدّ ليشمل عمقاً إقليمياً تشارك فيه قوى «محور المقاومة»، وفي مقدّمتها «أنصار الله» في اليمن. والتحوّل هذا في العقيدة الإيرانية من «الدفاع إلى الهجوم»، ظهر واضحاً في هندسة التعيينات العسكرية الأخيرة؛ إذ أوكلت المهمات إلى قادة عُرفوا بصلابتهم وتبنّيهم لخط صداميّ مع واشنطن.
وفي السياق، تشير الخطوات العسكرية المتسارعة في الخليج ومضيق هرمز، إلى أن طهران قرّرت قطع الطريق على محاولات الفصل بين «الاستقرار الإقليمي» و»الأمن القومي الإيراني». فبدلاً من أن تكون إيران وحدها تحت الضغط، تعمل الآن على جعل أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، رهناً بكسر هذا الحصار، وهو ما يحوّل الجغرافيا الإقليمية بأكملها إلى ساحة اشتباك مفتوحة، لا يملك فيها الطرف الأميركي حصرية التحكّم بمسار الأحداث.




