اخبار عربية ودوليةالرئيسية

“سوفا 53”: كيف تعيد “إسرائيل” رسم جغرافيتها الأمنية؟

ليلى نقولا - الميادين

قد يكون من الخطأ النظر إلى مشروع «سوفا 53» في جنوب سوريا باعتباره مجرد طريق عسكرية أو سلسلة من الخنادق والسواتر الترابية التي تواصل القوات الإسرائيلية إقامتها داخل منطقة الفصل منزوعة السلاح جنوب سوريا، وتزعم بأنها إجراءات دفاعية تهدف إلى منع أي محاولة اقتحام أو تسلل.

تفيد تقارير صحفية أن الطريق عبارة عن حاجز ترابي يبلغ ارتفاعه وعرضه نحو خمسة أمتار، ويمتد بطول يُقدَّر بنحو 70 كيلومتراً بين مواقع عسكرية إسرائيلية شرق خط «برافو»، الذي حددته اتفاقية فض الاشتباك الموقّعة بين سوريا وإسرائيل عام 1974.

ولا يقتصر المشروع الذي يمتد على طول مناطق واسعة من محافظة القنيطرة بمحاذاة الجولان المحتل، على تحصينات دفاعية فحسب، بل ينشئ عملياً خطاً أمنياً جديداً يتجاوز في بعض المناطق ترتيبات فض الاشتباك التي أقرت عام 1974. وبغض النظر عن التبريرات الإسرائيلية المرتبطة بمنع التسلل، فإن النتيجة العملية تتمثل في فرض واقع ميداني جديد يمنح “إسرائيل” حضوراً أمنياً أعمق وأكثر استدامة في جنوب سوريا.

وتكمن أهمية «سوفا 53» هنا في أنه يشكل مؤشراً ميدانياً داخل نمط أوسع آخذ في التبلور. منذ عقود، اعتمدت “إسرائيل” على مفهوم الردع العسكري والاتفاقات الأمنية لإدارة حدودها، أما اليوم، فيبدو أنها تتجه أكثر فأكثر نحو بناء أحزمة أمنية فعلية على الأرض، تسمح لها بالتحكم بالمجال المحيط بها، وتمنحها هامشاً أكبر للمناورة في مواجهة التحولات الإقليمية المتسارعة.

وبهذا المعنى، يمكن قراءة المشروع باعتباره جزءاً من توجه إسرائيلي أوسع يقوم على إعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة “بإسرائيل” من خلال فرض وقائع ميدانية طويلة الأمد، بحيث تصبح هذه الوقائع جزءاً من معادلة أي تفاوض مستقبلي. ويمكن وصف هذا الأمر بأنه توجه لإنتاج عقيدة جديدة تقوم على “الأمن عبر إعادة تشكيل الجغرافيا”، أي الانتقال من حماية الحدود بوصفها خطاً ثابتاً إلى التعامل مع المجال المحاذي لها باعتباره عمقاً أمنياً يمكن تنظيمه وإعادة تشكيله كما تشاء.

ولا تنحصر هذه المقاربة بالساحة السورية فقط، فالسلوك الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة يظهر مؤشرات متشابهة في أكثر من ساحة، حيث تقوم المقاربة الأمنية الجديدة على إنشاء أمن متعدد الطبقات، عبر التحكم بالمجال الجغرافي في الدول العربية المحاذية (فلسطين ولبنان وسوريا) والتوسع فيه، والانتقال تدريجياً من مفهوم الدفاع عن الحدود إلى احتلال وإدارة المجال الواقع وراءها باعتباره جزءاً من البيئة الأمنية الإسرائيلية.

بالنسبة لجنوب لبنان، تتحدث الطروحات الإسرائيلية عن مناطق أمنية متدرجة أو أحزمة عازلة بعمق متفاوت وتطلق عليها تسميات متعددة مثل “الخط الأصفر” و”الخط الرمادي”، وهو أمر لا يبدو منفصلاً عن المنطق الذي يحكم “سوفا 53”.

واقعياً، لا تنظر “إسرائيل” إلى الحدود اللبنانية باعتبارها خطاً نهائياً فاصلاً أي حدود دولية معترف بها، بل باعتبارها مساحة أمنية يجب السيطرة عليها وإدارتها، وهو ما يفسر الإصرار الإسرائيلي على ترتيبات أمنية طويلة الأمد مع السلطة اللبنانية تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى ترتيبات ميدانية وسياسية تسعى إلى تكريس واقع أمني جديد على الحدود.

أما في البعد الاستراتيجي، فتكمن أهمية “سوفا 53″ أيضاً في التنافس على النفوذ بين تركيا و”إسرائيل” في سوريا. تدرك “إسرائيل” أن المرحلة المقبلة في سوريا ستكون أكبر من مجرد صراع نفوذ بين الطرفين، بل قد تتحول إلى تنافس على شكل الدولة السورية المقبلة، وعلى موقع القوى الإقليمية وقدرتها على التأثير في مؤسساتها وأمنها وحدودها.

وهنا تتجاوز أهمية المشروع مسألة السيطرة على مساحة جغرافية محددة؛ فالمسألة تتعلق بإنتاج «عمق أمني» خارج الحدود الإسرائيلية نفسها. فكلما أصبحت التحصينات والطرق والمواقع العسكرية جزءاً ثابتاً من الجغرافيا، أصبح من الأصعب التعامل معها باعتبارها مجرد إجراءات مؤقتة مرتبطة بظرف أمني عابر.

بهذا المعنى، يصبح «سوفا 53» جزءاً من رؤية إسرائيلية أوسع لإدارة مرحلة انتقالية يعيشها الشرق الأوسط، حيث تتغير موازين القوى وتتراجع بعض المسلمات التي حكمت الإقليم لعقود. ما يجمع بين الساحتين اللبنانية والسورية هو أن “إسرائيل” باتت تنظر إلى جبهتها الشمالية بدرجة متزايدة كوحدة استراتيجية متكاملة.

أما ما يجمع بين الساحتين السورية والتركية فهو السعي الإسرائيلي إلى منع نشوء بيئة استراتيجية لا تسيطر “إسرائيل” على إيقاعها. وفي الحالتين، يظهر الاتجاه نفسه: بناء منظومة أمنية متقدمة لا تكتفي بحماية الحدود، وإنما تسعى إلى التحكم بالحيّز المحيط بها.

قد يكون ما تقوم به “اسرائيل” في سوريا وغزة وجنوب لبنان هو أحد أبرز مؤشرات المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط، حيث تظهر استراتيجية إسرائيلية آخذة في التبلور، تقوم على إنشاء أحزمة نفوذ وأمن تسبق التسويات السياسية وتؤثر فيها. وإذا كان الشرق الأوسط مقبلاً على إعادة تشكيل جيوسياسية واسعة، فإن أحد الأسئلة الأساسية سيكون: إلى أي حد تستطيع “إسرائيل” تحويل هذه الأحزمة الأمنية إلى وقائع دائمة، وإلى أي حد ستتمكن الدول والقوى الإقليمية الأخرى من منع ذلك أو التكيف معه؟

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى