الرئيسيةمجتمع ومنوعات

إعلام بلا روح: خطر تسليم البوصلة الفكرية للذكاء الاصطناعي

بقلم: رامي شحرور

تجاوز الذكاء الاصطناعي مجرد كونه أداة لتسهيل صياغة النصوص أو تنظيم البيانات، ليتحوّل إلى شريكٍ خفي يتولى توجيه التغطية الإعلامية وصياغة الرأي العام. وفي حين يُحتفى بهذه التكنولوجيا كرمز للسرعة والكفاءة، يتصاعد خطرٌ عميق يمسّ جوهر العمل الصحافي وصناعة الإدراك لدى الجمهور. إنّ الاتكال الكلي على خوارزميات الذكاء الاصطناعي في الإعلام لا يمثل مجرد تحدٍّ تقني، بل يشكل تهديداً فكرياً وثقافياً يصيب القدرة على التفكير النقدي في مقتل، لا سيما لدى الجيل الجديد الذي بات يتعامل مع أدوات مثل ChatGPT وGemini بوصفها “معصومة عن الخطأ”.

وفي هذا السياق، تكمن الخطورة الأكبر في كيفية استقبال جيل الشباب والأجيال الناشئة للمعلومة الصادرة عن نماذج الذكاء الاصطناعي، فقد نشأ هذا الجيل في بيئة رقمية سريعة الإيقاع تبحث عن الإجابات الفورية، مما جعل نماذج التوليد اللغوي تبدو له وكأنها مراجع معرفية نهائية ومحيطة بكلّ شيء، وليست مجرد أنظمة برمجية تعتمد على التنبّؤ الإحصائي للكلمات. ويترتب على هذا التقديس الخوارزمي غير المبرّر تعاطي قطاع واسع من الشباب مع المخرجات الرقمية بصفاء نية مطلق، متجاهلين أنّ هذه الأدوات تجترّ بياناتها من شبكة الإنترنت التي تعجّ بالانحيازات، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ضمور حسّ التشكيك وتطوير حالة من الاتكالية الفكرية تُعطّل مهارة الاستفسار والبحث عن الخلفيات والسياقات التاريخية للأحداث.

وانتقالاً من أثر هذه الظاهرة على المتلقي إلى انعكاسها على المادة الإعلامية نفسها، نجد أنّ الاتكال المطلق يؤدي إلى تسطيح الإعلام وتجريده من بعده الإنساني. فالإعلام في جوهره ليس مجرد نقل جاف للأرقام والأحداث، بل هو فهم للعمق الإنساني ولغة تحتضن السياق الاجتماعي والسياسي. وعندما تُسلّم عجلة الإنتاج الإعلامي للذكاء الاصطناعي، نقع في فخ “تنميط الوعي” وإنتاج نصوص جافة ومحايدة بشكل زائف، تفتقر إلى الحسّ البشري والقدرة على التقاط التفاصيل الميدانية، فضلاً عن عجز الخوارزميات عن استيعاب التعقيدات المحلية والخصوصيات الثقافية للمجتمعات، مما يقود إلى تقديم تحليل سطحي للأزمات السياسية المعقدة.

ولعلّ الأدهى من هذا التسطيح يكمن في البُعد التقني المتمثل في ظاهرة “هلوسة الذكاء الاصطناعي” وتغذية الانحيازات، إذ تُعاني النماذج اللغوية من اختلاق معلومات وأرقام ومصادر وهمية بصياغة لغوية جازمة ومقنعة للغاية. وعندما تُعتمد هذه المخرجات في الإعلام دون تدقيق إنساني صارم، تحدث الكارثة عبر تضليل الرأي العام ونشر الأخبار الزائفة التي يسهل انطلاؤها على الجيل الجديد لافتقاره إلى الخبرة الكافية لملاحظة الثغرات المنطقية. أضف إلى ذلك أنّ هذه الأدوات تُعيد إنتاج بعض الانحيازات المعرفية والأيديولوجية التي تدرّبت عليها، لتُهمّش وجهات النظر البديلة او المناقضة في بعض الأحيان وتُضيق أفق التفكير المتعدد لدى المتابعين.

وتأسيساً على ما سبق، يتبيّن أنّ مواجهة هذا الخطر لا تعني الدعوة إلى العزوف عن التكنولوجيا أو إنكار فائدتها كأداة مساعدة، بل تتطلب بالضرورة إعادة ضبط العلاقة معها. يتوجّب على المؤسسات الإعلامية والمنظومات التعليمية خوض معركة “التربية الإعلامية والرقمية” لترسيخ قناعة مفادها أن الذكاء الاصطناعي مجرد مساعد صياغة وليس مرجعاً للحقيقة ولا صانعاً للفكر… ففي نهاية المطاف، سيبقى جوهر الإعلام قائماً على المساءلة والبحث والتفكير النقدي المستقلّ… وهي مهارات ستبقى دوماً حكراً على العقل عند الإنسان الذي هو الشرع الأعلى والشرع الأساسي.

نقلا عن صحيفة البناء

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى