
لم يكن المسيحيون في المشرق يومًا مجرد أقلية دينية، بل كانوا أحد أعمدة الحضارة في بلاد الشام وميزوبوتاميا، وشركاء في صناعة الثقافة والاقتصاد والسياسة. إلا أن العقود الأخيرة حملت لهم سلسلة من التحولات الدراماتيكية، بدأت مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتفاقمت مع صعود التنظيمات الإسلامية المسلحة، ثم بلغت ذروتها مع انهيار الدولة السورية وصعود قوى إسلامية إلى مركز السلطة، في وقتٍ تتزايد فيه المخاوف من انتقال تداعيات هذا المشهد إلى لبنان.
في العراق، دفع المسيحيون ثمن الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، فتعرضوا للقتل والتهجير، وانخفض عددهم من أكثر من مليون ونصف المليون نسمة إلى بضع مئات الآلاف يعيش اغلبهم اليوم في كردستان .
وفي سوريا، تراجعت أعدادهم بصورة كبيرة نتيجة الحرب والهجرة، بينما بات مستقبلهم مرتبطًا بقدرة الدولة الجديدة على بناء نظام مدني يضمن المساواة بين المواطنين، وهو أمر لم يعد بإمكان داعميه الدوليين من إخفاء ملامحه .
أما لبنان، آخر معاقل الحضور المسيحي السياسي في الشرق، فيواجه تحديًا مختلفًا لكنه لا يقل خطورة. فالصراع السني–الشيعي الذي يظهر على السطح في المنطقة يهدد بإعادة رسم موازين القوى الداخلية، ويضع المسيحيين أمام سؤال وجودي: كيف يمكن الحفاظ على دورهم في دولة تتغير معادلاتها الإقليمية بوتيرة متسارعة؟
المفارقة أن القوى السياسية المسيحية تبدو، في نظر كثيرين، منشغلة بصراعاتها الداخلية وتحالفاتها الظرفية أكثر من انشغالها ببناء رؤية استراتيجية لحماية الوجود المسيحي. فبدل أن تعمل على ترسيخ الدولة المدنية ومؤسساتها، انخرطت في اصطفافات متناقضة، تارةً إلى جانب محور شيعي، وطورًا في مواجهة هذا المحور، بالمراهنة على الخارج .دون أن تمتلك مشروعًا مستقلًا يضمن مصالحها بعيدة المدى.
إن استمرار تمدد الحركات الإسلامية في المنطقة، سواء عبر صناديق الاقتراع أو عبر القوة العسكرية، لا يعني بالضرورة أن مصير المسيحيين الهجرة وترك الديار ، لكنه يفرض عليهم إعادة النظر في خياراتهم السياسية. فالرهان على طرف في مواجهة طرف آخر قد يجعلهم، في نهاية المطاف، بين حجرَي الرحى إذا ما تحول الصراع السني–الشيعي إلى مواجهة مفتوحة تمتد من العراق وسوريا إلى لبنان.
ربما تكون الفرصة الأخيرة أمام مسيحيي الشرق ليست في الارتهان لمحاور متصارعة، بل في بناء شراكة وطنية عابرة للطوائف، تقوم على المواطنة والدولة المدنية وسيادة القانون. ففي منطقة تعيد رسم خرائطها السياسية والديموغرافية، لا يحمي الأقليات إلا قيام دولة يتساوى فيها مواطنيها بالحقوق والواجبات، لا دولة تُدار بمنطق الغلبة الطائفية.
وإذا استمر الشرق في الانقسام بين مشاريع مذهبية متنافسة، فإن الخاسر الأكبر لن يكون المسيحيين وحدهم، بل فكرة التعددية التي ميّزت هذه المنطقة عبر قرون، وجعلتها فضاءً للتنوع الديني والثقافي، لا ساحةً لصراع الهويات المغلقة.




