الرئيسيةخاص دايلي ليبانون

“اللقاء الوطني”.. مبادرة جامعة في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان والمنطقة

أدهم رضوان

في المراحل المفصلية من تاريخ الأمم، لا تُقاس أهمية المبادرات السياسية بعدد المشاركين فيها فحسب، بل بقدرتها على التقاط اللحظة التاريخية والإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تفرضها التحولات والأزمات. ولبنان اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات الاستثنائية التي تتجاوز حدود التجاذبات السياسية التقليدية، لتطرح تحديات تتصل بمستقبله الوطني وسيادته ووحدة مجتمعه ودوره في محيطه الإقليمي.
فالحرب الإسرائيلية المستمرة على لبنان وما يرافقها من اعتداءات متواصلة واستهداف للأرض والإنسان والبنية الوطنية، تتزامن مع تحولات إقليمية عميقة تعيد رسم موازين القوى في المنطقة، وتفرض على اللبنانيين البحث عن مساحات مشتركة تعزز قدرتهم على مواجهة المخاطر المحدقة ببلدهم. وفي مثل هذه الظروف، يصبح بناء أطر وطنية جامعة ضرورة وطنية لا ترفاً سياسياً، وحاجة استراتيجية تتقدم على ما عداها من الحسابات الفئوية والاعتبارات الضيقة.
من هنا تبرز أهمية “اللقاء الوطني” الذي يشكل محاولة جدية لإعادة الاعتبار لفكرة العمل الوطني المشترك، انطلاقاً من قناعة بأن حماية لبنان لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الشراكة بين مختلف مكوناته السياسية والاجتماعية والثقافية، وصوغ خطاب جامع يرتكز إلى الثوابت الوطنية بعيداً عن الانقسامات التي أنهكت البلاد لعقود طويلة.
ويكتسب هذا المسار أهميته من كونه يضع في صدارة أولوياته الدفاع عن سيادة لبنان واستقلال قراره الوطني، والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، والتأكيد على حق اللبنانيين في حماية أرضهم وشعبهم وثرواتهم الوطنية، وصون ما تبقى من الأراضي المحتلة، وفق ما تكفله الشرائع والقوانين الدولية. فهو لا ينطلق من مقاربة ظرفية أو رد فعل سياسي عابر، بل من رؤية تعتبر أن قوة لبنان تبدأ من تماسك جبهته الداخلية وقدرته على توحيد طاقاته الوطنية في مواجهة التحديات الخارجية.
وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن “اللقاء الوطني” خلال اجتماع موسع احتضنته نقابة الصحافة ، بحضور حشد كبير من المسؤولين والشخصيات الوطنية و الأمناء العامين ورؤساء الأحزاب، والمرجعيات الدينية والمحامين والأطباء والإعلاميين والأكاديميين والفعاليات الوطنية والاجتماعية والنقابية، في مشهد عكس حجم الحاجة إلى إطار جامع يلتقي تحت سقفه أبناء الوطن من مختلف الانتماءات والمناطق حول القضايا الوطنية الكبرى.
إن الدلالة الأساسية لهذا اللقاء لا تكمن فقط في تعدد الجهات والشخصيات التي شاركت في إطلاقه، بل في الرسالة السياسية والوطنية التي يحملها، ومفادها أن لبنان ما زال يمتلك من عناصر القوة والوحدة ما يسمح له بمواجهة التحديات عندما تتوافر الإرادة الوطنية الجامعة. فاللقاء يسعى إلى إنتاج خطاب وطني يرفض الفتن والانقسامات والتحريض، ويؤكد أن حماية الاستقرار الداخلي تشكل خط الدفاع الأول عن البلاد في مواجهة الضغوط الخارجية ومحاولات استثمار التباينات الداخلية.
كما يهدف إلى تعزيز حضور القوى الوطنية العابرة للطوائف والمناطق ضمن مشروع وطني موحد، والدفاع عن استقلال القرار اللبناني، ورفض أي شكل من أشكال الإملاءات الخارجية، إضافة إلى دعم مؤسسات الدولة وتمكينها من القيام بدورها في حماية وحدة البلاد واستقرارها. وهو بذلك لا يطرح نفسه بديلاً عن الدولة، بل رافعة وطنية داعمة لها ومساندة لدورها في هذه المرحلة الدقيقة.
ولا تنفصل أهداف اللقاء عن التحديات الفكرية والسياسية التي تواجه لبنان والمنطقة، إذ يؤكد ضرورة مواجهة مشاريع التطبيع والأسرلة، والحفاظ على الهوية الوطنية، وربط القضية اللبنانية بالمتغيرات الإقليمية الكبرى من موقع الدفاع عن المصالح الوطنية العليا. كما يسعى إلى إطلاق حوار وطني دائم حول القضايا السيادية والاستراتيجية، وبناء شبكة تواصل سياسية وشعبية وإعلامية تمتد إلى مختلف المناطق اللبنانية بما يعزز التماسك الوطني ويحصن الساحة الداخلية من محاولات التفتيت والاختراق.
إن ولادة هذا اللقاء في هذه المرحلة الحساسة تحمل دلالات تتجاوز البعد التنظيمي أو السياسي المباشر، فهي تعكس إدراكاً متزايداً لدى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن المرحلة المقبلة تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً يعيد ترتيب الأولويات حول حماية الوطن وسيادته ووحدته. وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتسارع فيه التحولات، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى مثل هذه المبادرات التي تعيد جمع اللبنانيين حول القواسم الوطنية المشتركة، وتؤسس لمسار سياسي وشعبي قادر على مواجهة التحديات وصون لبنان دولةً وشعباً وأرضاً وهويةً ومستقبلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى