موقف المرجع الشيخ أمين الصايغ بذكرى مجازر السويداء.. كلمة تنطلق من الماضي لتناقش الحاضر الدرزي العام وتحدياته المستقبلية
بقلم: فواز نمر الشعراني

كونوا عادلين… ولو خالفكم العدل
كونوا صادقين…. ولو كلَّفكم الصدق
كونوا جسورًا لا جدرانًا.
في الذكرى السنوية الأولى لمجازر السويداء، وخلال الوقفة التضامنية التي دعت لها المرجعية الروحية العليا. أطل المرجع الروحي الأعلى لطائفة المسلمين الموحدين الدروز سماحة الشيخ أبو يوسف أمين الصايغ في كلمة تليت على الحضور من المتضامنين وبُثَّت إلى عموم أبناء طائفة الموحدين الدروز. وبقدر ما تضمنت الكلمة كسابقاتها من بلاغة وحكمة، إلا أنها أيضًا تميزت بلغة حازمة ورسائل واضحة لا تقبل التأويل أواللَّبس، فبقدر ما كانت كلمة تستذكر المجازر والضحايا يؤنس بها سماحة الشيخ ذوي الضحايا ويواسيهم في مصابهم، كانت أيضًا كلمة تنطلق من الماضي لتناقش الحاضر الدرزي العام وتحدياته المستقبلية المحتملة. سأحاول بإيجار سرد بعض التقاط الرئيسية التي وردت ضمن كلمة سماحة الشيخ:
أبناء جاليات الاغتراب، نموذج التضامن الباعث للأمل: ابتدأ سماحته كلمته بالتعريج على دور أبناء جاليات بلاد الاغتراب من أبناء طائفة الموحدين، لما كان له من أهمية في المحنة التي عبرها أبناء الجبل، فدعا إلى تقدير كل الجهود المادية والمعنوية التي قدمها أبناء هذه الجاليات لأهلهم كاسرين بذلك كل حواجز وعوائق الغربة التي قد تحول بينهم وبين إخوانهم مؤكدين كما صرّح سماحته على أن روابط الأخوة والإنسانية أقوى من كل الحدود. فكان عملهم نموذجًا حقيقيًا للتضامن الذي يبنى عليه الأمل. وكانوا بحسب تعبيره “نور الإنسانيّة المشرق”.
تمييز السياق من دون اختلاف المبادئ: في حديثه الموجّه لمجتمع الموحدين الدروز في بيئاتهم الجغرافية، اتضح في كلمة سماحة الشيخ تمييزًا واضحًا قام به عبر تخصيصه قسمًا من كلمته إلى أبناء السويداء مواسيًا وناصحًا وواعظًا، ومن ثم الانتقال إلى السياق اللبناني بنفس الروحية لكن بتوجيه أكثر تفصيلًا. وفي محاولة لفهم هذا التمييز نجد أنه انطلق في ذلك من إدراك ودراية تامة لخصوصية وحساسية كل سياق على حدى، فلم يتوجّه سماحته لأبناء السويداء باللغة التوجيهية ذاتها التي توجه بها لأبناء الطائفة في لبنان احترامًا وتقديرًا لحجم الجرح، وتفهّمًا أيضًا لتباينات التوجهات التي باتت تظهر وتتوضح أكثر وأكثر بين الإخوان في السويداء.
“رفعة الأمم” حرفة الحكماء والنخب: أشار سماحة الشيخ إلى الدور الأساسي والمؤثر للنخب السياسية والاجتماعية في قيادة مجتمعاتها خلال اللحظات التاريخية المفصلية كما اليوم، وحدد بوضوح بأن مصير مستقبل هذه الأمم يقع على عاتق الحكماء والنخب، لكنه لم يذكرهم متفردين. فقد أردف سماحته ذلك بالإشارة إلى صحوة ووعي مبشرين للشباب الصاعد الذي دعاه أكثر للتفكُّر والسؤال والتعمق بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة للمستقبل، قائمة على المبادئ والقيم التوحيدية.
القيم أساس الوجود لا القوة ولا العدد: لا تمر كلمة لسماحة الشيخ إلى وكانت القيم التوحيدية مفهومًا مركزيًا بها. فلطالما شدّد على أهيم القيم والمبادئ التي ورثها الموحدون وصانوها بإيمانهم جيلًا بعد جيل. واعتبر سماحته بأن سر البقاء الممتد على مدار القرون السابقة في هذا المشرق لا يكمن في موازين القوة أو حسابات العدد، بلك تكمن حقيقته في القيم التي إذا ما أردنا التعمق بها واعتبارها دستور عملنا، لوجدنا فيها الحلول لصبط البوصلة وتوضيح المسار بيسر ووضوح لن توفر أي براغماتية سياسية أخرى. ولتجنّبنا بها أفخاخ السياسة الكثيرة ولايتعظنها بها عن “النداء السهل” الذي كان قد حذر سماحته سابقًا من الوقوع فيه. فدائمًا ما دعى إلى البحث عن المعنى الحقيقي الكامن وراء الفعل دون استهداف ممارسة الفعل ذاته لهدف الممارسة فقط.
النأي لا الانعزال لتوحيد الكلمة وعدم الإقصاء: أوضح سماحة أحقية الطائفة في سياقاتها الوطنية بالنأي بنفسها عن توجّهات مجتمعات أخرى مختلفة بالتاريخ والجغرافية، دون النأي عن هواجس هذه المجتمعات وآلامها. والنأي هنا لا يعني الانعزال بل محاولة ووعي بالذات الجماعية وما نابها من جراح وما تواجهه من تحديات. وهو ربما كان تعبيرًا عن وعي من يشعر بعجز حالي لتغيير الواقع، فهو وعي صادق ذاتي المنشأ لا يستجلب بالأوامر. وشدد سماحته على أهمية وضرورة التواصل السليم الذي لا أراه يصح دون حوار داخلي صادق ومباشر وصريح، بهدف توحيد الكلمة بعيدًا عن الإقصاء. ولو فكّرنا يا أخوتي قليلًا بجذور الإقصاء في مجتمعاتنا، وجدناها ترتشف من موردين أساسيين: التخوين، وادعاء احتكار الحقيقة. وهذا فخ إن لم نتجاوزه فإنه منذر بالهلاك.
طريق العدالة طويل، والأمل هو الإرادة الحرة: كان تعبير سماحته واضحًا لا يحمل التأويل على أنه لا سلام ولا استقرار في هذه المنطقة دون الإصغاء إلى أصوات المظلومين واحترام حقوقهم بالعيش بكرامة وأمان وحرية. ودون ذلك لن يكون هناك مستقبلًا مستقرًا. فالمستقبل لا يبنى إلا على أساس العدالة والاعتراف بحقوق جميع المكونات. وفي توجيهه
الداخلي لأبناء الطائفة فقد ذكّرنا بأن العدل حقيقة واضحة وراسخة لا لبس في تحققها. فهو ميزان الله في الأرض الذي لا يمكن تجاهله. إلا أن طريق العدالة طويل، وشرطها الأساسي والأمل في تحقيقها يكمن في وجود إرادة حرة تنبع من المجتمع ذاته، إرادة تؤمن بحتمية تحقق الغاية، ولا تستجلب من الخارج ولا تخضع لشروطه.
“الانتماء الحقيقي ليس شهادة من أحد، أنتم الوطن الذي يقاوم أن يتحول إلى تركة يتقاتل عليها الورثة” جملة توضح ببساطة وبلاغة رسالة أراد المرجع الروحي الأعلى للموحدين أن يوصلها لأبناء مذهبه ومعتقده، بأنه مهما تعقدّدت الظروف، واشتدت الآلام، واختلفت التحديات، وكثرت الخصوم، وادّعت الحلفاء، إلا أن مفتاح الحلول كلها هو بيد الجماعة الواحدة، المؤمنة، المتكاتفة، الناظرة بعين إرادة الخير ومبدأ حفظ الإخوان، المنطلقة من حسن النية وحميد الفعل وصدق اللسان. فلا خلاص لنا إلا بأنفسنا.
ودمتم




