هل يفرض ترامب الاتفاق على إسرائيل في لبنان؟
ابراهيم الأمين - الاخبار

عودة إلى ربع قرن مضى. وقف محمود درويش في احتفال أُقيم في رام الله بمناسبة تحرير جنوب لبنان. قبل ذلك بوقت قصير، كان رئيس حكومة العدو آنذاك إيهود باراك قد أعلن، لدى انسحاب جنوده: «لقد انتصرنا عليهم وأنهينا المهمة». وعلى طريقته، ردّ درويش مخاطباً حكومة العدو: «حسناً، انتصروا علينا وانسحبوا!».
أمّا اليوم، فيقف العالم بأسره عند عتبة ما ينوي الرئيس الأميركي دونالد ترامب القيام به في ملف الحرب القائمة. لم يعد هناك مُتّسع كبير للمناورات، لا من جانبه ولا حتى من جانب إيران، بعدما بلغت الوساطات الدبلوماسية أقصى حدود الدفع الممكنة. وعليه، فإن ما أرسلته إيران إلى الولايات المتحدة عبر الوسيط الباكستاني لم يكن ورقة قابلة للأخذ والرد، كما جرت العادة. فالوسيط في إسلام آباد كان يناقش كل بند على حدة، ويعمل على تضييق هوامش المناورة لدى الطرفين. لذلك، لم يكن أيّ من الوسطاء في وارد استعجال الإيرانيين، بل كان المطلوب من طهران جواباً واضحاً وحاسماً لتحديد طبيعة المرحلة المقبلة.
في هذه الأثناء، تستمر المعركة في لبنان، ويستمر الاستعداد في إيران لإمكانية العودة إلى جولة جديدة وأكثر قساوة من الحرب مع أميركا وإسرائيل. وبمعزل عن طبيعة التفاوت في تقدير الموقف، إلا أن إيران وحزب الله يتصرفان على قاعدة أنه لا يمكن العودة إلى الوراء، وأن المواجهة إن استمرت أو توسّعت، فعليهما القيام بكل ما يلزم لأجل إفشال العمليات العسكرية أولاً، ثم منع أي استغلال لأيّ تصعيد في المعركة السياسية، ومثلما ترفع المقاومة من سقف التحدّي برغم التغوّل الإسرائيلي في القصف والقتل والتدمير، فإن الجانب الإيراني، يعتبر نفسه في موقع من دفع الثمن أصلاً، وبالتالي، فهو لن يبقى مستعداً لأي تسوية يختلف إطارها عمّا جرى التقدّم به. وفي حال تجدّدت الحرب، فسوف يكون من الصعب على إيران البقاء عند الموقف الذي أبلغته إلى الوسطاء خلال الساعات الماضية، وعندها ستكون المنطقة كلها أمام واقع مختلف.
وفي هذه النقطة، يمكن فهم سبب وطبيعة التدخل الذي تقوم به السعودية وقطر بالتشاور مع تركيا ومصر، مع الإدارة الأميركية، لأجل التوصل إلى اتفاق – إطار ينهي الحرب. وقد بات معلوماً عند دول الخليج العربي، أنه في حال تجدّدِ الحرب، وقصفِ أميركا وإسرائيل البنى التحتية في إيران، فإن طهران ستضع نصب أعينها إلغاء الوجود العسكري الأميركي في دول المنطقة، والعمل على منع الولايات المتحدة من أي استثمار سياسي أو اقتصادي. وهو كلام، يتضمّن فعلياً، تهديداً صريحاً، بأن إيران قد تضطر إلى تعطيل كل الملاحة في الخليج الفارسي، وربما ما هو أكثر من ذلك بكثير!
إيران: آخر الردود
وبحسب ما بات واضحاً، فإن الردّ الإيراني على المُقترحات الأميركية جاء منسجماً مع رؤية إيرانية تعتبر أن نتائج المواجهة القائمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل منذ نهاية شباط الماضي لا تسمح لواشنطن بفرض شروطها في أي حل، وأن كل ما أفرزته الحرب من تطورات أصبح، بالنسبة إلى طهران، جزءاً من الوقائع الصلبة التي لا يمكن تجاوزها أو محوها. وكما لا يمكن تجاهل آثار الحرب على الناس والبنى التحتية، ترى إيران أنه لا يمكن أيضاً التعامل مع التحوّلات السياسية والعسكرية الجديدة وكأنها لم تحدث. لذلك، وافق الإيرانيون على صيغة اتفاق تقوم على الفصل بين مرحلتين: الأولى تركّز على إنهاء حالة الحرب بكل متطلّباتها، وإدارة التداعيات التي خلّفتها المواجهة، فيما تُخصّص المرحلة الثانية لمعالجة الملفات العالقة بين الجانبين منذ ما قبل اندلاع الحرب.
عملياً، يقول الإيرانيون إن ما يرونه منطقياً وواقعياً وعادلاً هو إعلان وقف شامل للحرب، لا في إيران وحدها، بل في لبنان والعراق وسائر المنطقة، باعتبار أن هذه الجبهات اشتعلت في التوقيت نفسه وضمن السياق ذاته. وكما تعتبر الولايات المتحدة أن لإسرائيل مصالحها الخاصة في الحرب على إيران، وأن أهداف تل أبيب لا تتطابق بالكامل مع الأهداف الأميركية، تقول طهران أيضاً إن لحزب الله أهدافه الخاصة في الحرب مع إسرائيل، مع وجود تفهّم إيراني لهذه الأهداف. وانطلاقاً من ذلك، تعتبر إيران إنهاء حالة الحرب في مجمل المنطقة بات مدخلاً إلزامياً لأي حل مُستدام.
فضيحة دبلوماسية لسفيرة لبنان في واشنطن، وواشنطن تفكّر في كيفية جعل وقف إطلاق النار قابلاً للاستثمار لمصلحة عون وسلطة الاحتلال في لبنان
إعلان نهاية الحرب، من وجهة النظر الإيرانية، له آلياته الواضحة. أُولاها وقفٌ كامل لكل أشكال العمليات العسكرية من جانب جميع أطراف المواجهة. ثم، في خطوة مُتمِّمة، يُفترض سحب الحشود العسكرية من الخليج، بالتوازي مع انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. وبالتوازي، يصار إلى معالجة العناصر المستجدّة التي فرضتها الحرب، ومنها رفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية، مقابل إعلان إيران إزالة القيود العسكرية على الملاحة في الخليج الفارسي، مع إقرار جميع الأطراف بالبروتوكول الجديد لإدارة مضيق هرمز. وهذا البروتوكول لا يزال قيد التشكّل، بين إيران وسلطنة عُمان من جهة، وبين الدول والجهات المستفيدة من حركة الملاحة في المضيق من جهة أخرى.
وعملياً، إذا تمّ الأمر على هذا النحو، فإن المرحلة الأولى من الحل تنتهي بإعلان نوايا يؤكّد سعي الجانبين الأميركي والإيراني إلى التفاهم على اتفاقية دائمة تنظّم العلاقة بينهما. ويُفترض أن يشكّل هذا الإعلان مدخلاً لإطلاق المرحلة الثانية من الاتفاق، كما تراها طهران، والتي تقوم على فتح مفاوضات شاملة تتناول الملف النووي، والملفات الإقليمية العالقة بين الطرفين، ثم طبيعة العلاقات الثنائية بينهما، على أن تُجرى هذه المفاوضات ضمن مهلة زمنية مُحددة تمتد شهراً واحداً.
لبنان والفرصة الذهبية
في هذا السياق، يبدو لبنان حاضراً مرة جديدة في صلب المفاوضات. فبحسب ما يجري تداوله بين الجهات المعنية، يرد اسم لبنان في كل جلسة تفاوض، وفي كل ورقة تُرسل، وفي كل جواب يُعدّ. وبمعزل عن الحسابات السياسية التي تفتقد إلى الواقعية والمنطق، بقي لبنان بنداً رئيسياً في المفاوضات الإيرانية – الأميركية. وأكّدت طهران للوسطاء، سواء من باكستان أو قطر أو عُمان وغيرهم، أن الاتفاق الأول على وقف إطلاق النار كان يشمل لبنان أيضاً، وأن يتم انسحاب كامل لقوات الاحتلال الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية المحتلة. وقد أكّد رئيس الحكومة الباكستانية ذلك قبل ساعات من إعلان وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان الماضي، ثم عاد وأشار إليه مجدّداً في بيانه الرسمي حول الاتفاق. ويعتبر الإيرانيون أن الإدارة الأميركية تتحمّل مسؤولية عدم التزام إسرائيل بهذا الاتفاق، وأنه لا يمكن الوثوق بأي تفاهم جديد ما لم تلتزم واشنطن مُسبقاً بأنها ستُجبِر إسرائيل على وقف إطلاق النار.
وما عزّز الموقف الإيراني هو الوقائع الميدانية للمواجهة القائمة بين المقاومة وقوات الاحتلال، إذ ذكّر الوسطاء الجانب الأميركي مراراً بأن إسرائيل فشلت في لبنان، وأنها، كما بنت تقديرات خاطئة بشأن إيران، أخطأت أيضاً في تقدير الوضع اللبناني. وقد أظهر حزب الله قدرة كبيرة على مواصلة العمل الميداني وتحقيق نتائج مؤثّرة، فيما تلجأ إسرائيل، في المقابل، إلى سياسة القتل والتدمير. وهو ما وافق عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بعد مجزرة «الأربعاء الدامي»، حين طلب إلى إسرائيل وقف استهداف بيروت والضاحية الجنوبية. لكنّ الأمور بقيت على حالها، فيما يُنظر إلى كل الحديث عن قيود أميركية على إسرائيل باعتباره بلا معنى فعلي في أصل الصراع، لأن ما تعانيه إسرائيل يرتبط بما يجري على الأرض، لا بمستوى الضغوط السياسية عليها. أمّا ما تُتقِنه إسرائيل فهو الاستمرار في القتل والتدمير.
بناءً على ذلك، تشير المعطيات الأولية التي وصلت إلى بيروت، بشأن المساعي التي سبقت إرسال إيران ردّها إلى واشنطن، إلى أن الولايات المتحدة باتت مقتنعة بأن وقف الحرب مع إيران لا يمكن أن يتحقّق من دون وقف الحرب على لبنان أيضاً. وفيما كانت إدارة ترامب تتحدّث عن صعوبة إقناع حكومة العدو ورئيسها بنيامين نتنياهو بوقف الحرب، كانت تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة. ففي مرحلة معينة، بدا أن ترامب يعتقد بإمكان الوصول إلى تسوية في لبنان بمعزل عمّا يجري مع إيران، فتحدّث، على طريقته، عن احتمال عقد لقاء سريع بين الرئيس جوزيف عون ونتنياهو، يقود إلى مفاوضات جدّية تنهي الحرب. إلا أن المقاربة الأميركية بقيت متطابقة مع الرؤية الإسرائيلية، لجهة اعتبار أن عنوان إنهاء الحرب في لبنان هو تدمير حزب الله.
اليوم، تجد واشنطن نفسها أمام استحقاق كبير. وإذا كانت تريد فعلاً التوصّل إلى حل مع إيران، فهي مضطرة إلى فرض وقف للحرب الإسرائيلية على لبنان. لكننا قد نكون أمام البهلوانية الأميركية التقليدية، التي تهدف إلى استثمار أي وقف للحرب في لبنان لتعزيز مشروعها السياسي داخله.
ومن هنا، يتركّز الجهد القائم اليوم – على فرضية التوصّل إلى اتفاق مع إيران – على إيجاد آلية تجعل لبنان يدفع ثمن هذه الخطوة. ومع أن الأميركيين يدركون أن أي اتفاق مع لبنان لا يمكن أن يعيش من دون موافقة حزب الله، فإن سقف الطموحات الأميركية يتركّز على كيفية تحويل وقف الحرب إلى هدية سياسية تُمنح لعون وحكومة نواف سلام وجماعة أميركا في بيروت، علّ هؤلاء يتمكّنون من استثمار اللحظة لفرض وقائع سياسية وعسكرية وأمنية تخدم الفكرة المشتركة بين أركان السلطة من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، والقائمة على إنهاء المقاومة ونزع سلاحها.
وفي حال تمّ الاتفاق، وبرزت حاجة أميركية – إسرائيلية – لبنانية (السلطة وأنصارها)، إلى تسويق همروجة تقول إنهم هم من جلب وقف الحرب إلى لبنان، فإن لسان حال المقاومة وبيئتها سيستعيد، على الأرجح، ما قاله محمود درويش للعدو قبل ربع قرن: «حسناً… أوقفوا الحرب وأعلنوا انتصاركم!».
لكن، قد يكون من المفيد لفت انتباه «الكومبارس» اللبناني في هذه الحفلة إلى أن من يريد أداء دور ذي معنى فعلي، ليس أمامه سوى المثابرة والعمل الجدّي لإثبات فعاليته وإقناع الناس بجدوى ما يقوم به. وهذا لا يمكن أن يتحقّق عبر المقاربة التي تعتمدها السلطة اللبنانية حالياً في إدارة مسار المفاوضات مع العدو، إذ إن هذه السلطة لم تؤمّن حتى الآن أبسط متطلّبات التفاوض وآليات إدارته.
ولعلّ من المفيد، في هذا السياق، أن تنشر الحكومة اللبنانية محاضر اجتماعات السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة مع السفير الإسرائيلي، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. وحتى بعد حذف الفقرات التي تشير إلى فضيحة مهنية كارثية، سيبقى بإمكان اللبنانيين التعرّف إلى «مهارات» المفاوض اللبناني و«قدراته»، وما يملكه من «أوراق قوة».




