الرئيسيةمجتمع ومنوعات

حين تصبح الآثار هدفاً… الحرب الإسرائيلية تهدد ذاكرة لبنان

لا تقتصر خسائر الحرب الإسرائيلية على لبنان على الضحايا والمنازل المدمرة والأراضي المحتلة، بل تمتد إلى ذاكرة البلاد ومعالمها التاريخية، في استهداف يطاول هوية اللبنانيين وماضيهم الحضاري.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية، رأى الكاتب سايمون جنكينز أن الحرب الإسرائيلية على لبنان بلغت في حزيران ذروتها عبر ما بدا أنه قصف غير مبرر لميناء صور التاريخي.

وبحسب الكاتب، شمل القصف موقع ميدان سباق الخيل الروماني، فيما تعرضت قلعة الشقيف، التي يعود تاريخها إلى نحو 1000 عام، لأضرار أيضاً.

واعتبر جنكينز أن هذه الاعتداءات تؤكد أن المواقع التاريخية لم تعد تحظى بأي حماية في الحروب الحديثة، وأن القصف لم يعد يستهدف الجيوش والبنى العسكرية وحدها، بل بات يطاول المعالم التي تختصر هوية المجتمعات وذاكرتها.

ويرى الكاتب أن الحروب الجوية تختلف عن المواجهات البرية، لأن منفذي الغارات يعملون من مسافات تجعلهم شبه محصنين، فيما يظهر الضحايا والأهداف أمامهم صغاراً ومجهولين. كما أن القصف الجوي لا يحتل الأرض ولا يضمن استسلام الخصم، بل يتحول، في كثير من الأحيان، إلى استعراض للقوة من جانب القيادات السياسية والعسكرية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، بُذلت جهود دولية لوضع قواعد تحمي المواقع الثقافية والتاريخية خلال النزاعات، وأفضت إلى اتفاقية لاهاي لعام 1954 والاتفاقيات المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية.

لكن انهيار الحوكمة الدولية خلال السنوات الأخيرة جعل هذه القواعد، بحسب جنكينز، عاجزة عن منع تدمير التراث، فيما بات الانتصار في الحروب الراهنة يُقاس أحياناً بمدى ضرب هوية الخصم ومعنوياته، لا بعدد القتلى أو حجم الخسائر العسكرية فقط.

وتواصل منظمة “اليونسكو” توثيق مصير التراث الثقافي في مناطق الحروب، إلا أن التوثيق وحده لا ينقذ موقعاً تاريخياً من القصف ولا يعيد معلماً دُمّر.

كما يؤدي “صندوق الآثار العالمي” دوراً في إرسال المساعدات والخبراء والمواد إلى مناطق النزاع، بهدف حماية المباني المتضررة وتثبيتها تمهيداً لإمكان ترميمها مستقبلاً.

وفي لبنان، لا يكون استهداف صور أو قلعة الشقيف اعتداءً على حجارة قديمة فقط، بل على تاريخ يتجاوز عمر الحروب والحدود السياسية الراهنة.

فحين تقصف إسرائيل المعالم التي تحمل ذاكرة لبنان، لا يكون المستهدف موقعاً أثرياً منفرداً، بل حق اللبنانيين وأجيالهم المقبلة في الاحتفاظ بتاريخهم ومعرفة ماضيهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى