اخبار محليةالرئيسية

إيران تفرض معادلة الشمال مقابل الضاحية بدل معادلة أمن الضاحية مقابل الشمال

البناء

بدت أحداث الساعات الأخيرة وكأنها تعيد رسم المشهد السياسي والعسكري المحيط بلبنان وإيران والعلاقة الأميركية الإسرائيلية. فما جرى لم يكن مجرد تبادل للرسائل العسكرية، بل اختباراً مباشراً لحدود القوة الإسرائيلية وحدود الدعم الأميركي، والمكانة التي بات يحتلها لبنان في مسار التفاوض الأميركي الإيراني.
البداية كانت مع المحاولة الإسرائيلية لفرض معادلة جديدة عنوانها «الضاحية مقابل الشمال». ومضمون هذه المعادلة أن يتوقف حزب الله عن استهداف شمال فلسطين المحتلة مقابل امتناع «إسرائيل» عن استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت. وقد بدت هذه الصيغة جزءاً من المناخ الذي رافق ما سُمّي باتفاق واشنطن، والذي قامت فكرته على تحميل حزب الله ولبنان موجبات وقف النار، بينما بقيت التزامات «إسرائيل» غامضة أو مؤجلة إلى مراحل لاحقة. ولذلك تعاملت تل أبيب مع الضاحية باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.
لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه المعادلة لم تصمد طويلاً. فبعد استهداف الضاحية، دخلت إيران مباشرة على خط المواجهة وأطلقت رسائل واضحة مفادها أن أمن الضاحية لن يكون رهناً بامتناع حزب الله عن الرد، بل بوجود ردع مقابل. وهكذا وُلدت معادلة معاكسة عنوانها «الشمال مقابل الضاحية»، أي أن استهداف الضاحية سيقابل بتعريض الشمال للخطر. ولم يكن الهدف الإيراني فتح حرب شاملة، بل إسقاط محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة تسمح لـ«إسرائيل» بالحصول على أمن مجاني في الشمال مقابل استمرار الضغط على لبنان.
أهمية هذه المحطة أنها فجّرت أول خلاف علني وجدي بين واشنطن وتل أبيب منذ أشهر طويلة؛ لأن «إسرائيل» أرادت استثمار التصعيد للذهاب نحو مواجهة أوسع مع إيران، أو على الأقل نحو توسيع الحرب في لبنان. أما الإدارة الأميركية فبدت أكثر تمسكاً بخيار مختلف تماماً. فقد ترافقت التطورات مع تسريبات متطابقة من وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية تحدثت عن تدخل مباشر للرئيس دونالد ترامب لاحتواء الموقف، وعن رسالة شديدة الوضوح إلى بنيامين نتنياهو مفادها أن الذهاب إلى حرب مع إيران قد يضع «إسرائيل» في مواجهة لا تحظى بالدعم الأميركي الذي تتوقعه.
تكمن أهمية هذا الكلام في أنه يتجاوز الخلاف التكتيكي حول كيفية إدارة الأزمة. فالإدارة الأميركية الحالية تبدو مقتنعة بأن الحرب مع إيران لن تحقق الأهداف التي رُسمت لها، وأن نتائجها قد تكون مكلفة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، بينما ترى «إسرائيل» أن تعطيل الاتفاق مع إيران أو تحسين شروطه يمر عبر إبقاء خيار الحرب قائماً. وهنا تظهر للمرة الأولى منذ بداية الحرب فجوة واضحة بين الأولويات الأميركية والأولويات الإسرائيلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى