
لم تعُد نتائج زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون لواشنطن تُقاس بحرارة الاستقبال أو بعبارات الدعم، بل بما يمكن تحويله إلى وقائع لبنانية: أرض تُستعاد، جيش ينتشر، أهالٍ يعودون، وإسرائيل تنسحب. وفي زوطر الغربية، ظهر أمس أول مشهد متكامل لهذا المسار، حين دخل الأهالي إلى بلدتهم بمؤازرة الجيش، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الوحدات العسكرية اللبنانية. لكنّ الدخول، الذي اقتصر في مرحلته الراهنة على تفقّد المنازل ولم يتحول بعد إلى عودة سكنية كاملة، كشف حجم الرهان وصعوبته معاً. فالدولة بدأت استعادة الأرض، لكنّها ورثت بلدة منكوبة تحتاج إلى نزع الألغام وتأمين الأحياء وإعادة الإعمار وتوفير مقوّمات البقاء. وأعلن رئيس البلدية، أنّ أكثر من نصف زوطر الغربية دُمِّر، فيما تعرّض الجزء الباقي لأضرار جسيمة. هنا تكمن الدلالة الأبعد من حدود البلدة: ما بدأ في زوطر ليس نهاية الاحتلال ولا حلاً نهائياً لمعضلة السلاح، بل اختبار لقدرة الدولة على تحويل «صيغة الإطار» من اتفاق متنازع عليه إلى مسار يؤدّي إلى انسحاب إسرائيلي متدرّج، وانتشار حصري للجيش، وعودة آمنة للسكان. وإذا نجح النموذج، يمكن توسيعه. وإذا تعثر، ستستعيد إسرائيل ذرائعها، وسيعود الانقسام الداخلي إلى تعطيل أي تسوية.
عون: من التعهّدات إلى التنفيذ
في بعبدا، بدا واضحاً أنّ الرئيس عون يريد إدارة ما بعد واشنطن من خلال مؤسسات الدولة، لا عبر مسارات موازية. فأطلع رئيس الحكومة نواف سلام على نتائج لقاءاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو، وعلى استعداد واشنطن لدعم الجيش ومساعدة لبنان وتنفيذ «صيغة الإطار»، انطلاقاً من الموقف اللبناني المطالب باستكمال الانسحاب الإسرائيلي حتى الحدود الجنوبية.
وأبلغ سلام رئيس الجمهورية نتائج زيارته زوطر الغربية، مؤكّداً وقوف الدولة إلى جانب الجنوبيّين وتأمين حاجاتهم بما يثبّتهم في أرضهم ويحفظ أرزاقهم. كما اطّلع عون من وزير الدفاع اللواء ميشال منسّى على إجراءات تعزيز انتشار الجيش وحاجاته، وبحث مع وزير الداخلية أحمد الحجار والمدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير في الأمن وحركة المعابر والتدابير المطلوبة لتسهيل التنقل.
هذا التركيز الرئاسي المتزامن على الجيش والأمن والحكومة، يعني أنّ بعبدا تتعامل مع المرحلة بوصفها عملية استعادة تدريجية لوظائف الدولة: أمن الحدود، إدارة الأرض، تنظيم عودة السكان، ثم الانتقال إلى الإعمار.
وأمام وفد سفراء الاتحاد الأوروبي، أكّد عون أنّ الوقت حان لإنهاء الحرب نهائياً، ودعا أوروبا إلى دعم تطبيق «صيغة الإطار». وشدّد على أنّ بقاء «اليونيفيل» يمثل الوسيلة الأمثل في المرحلة المقبلة، داعياً، إذا تعذّر ذلك، إلى إنشاء قوّة بديلة. وردّت سفيرة الاتحاد الأوروبي ساندرا دو وال، بأنّ لبنان يقف أمام مفترق طرق وبداية فصل جديد، مجدّدةً دعم الاتحاد لمسارات الأمن والاستقرار والإصلاح.




