زينة سليم.. شاعرة تجمع أصالة الحرف ووهج الإبداع ونبل الرسالة الإنسانية
إعداد: مكرم المصري

في زمن تتزاحم فيه الأصوات وتضيق فيه المساحات المخصصة للكلمة الصادقة، تبرز أسماء أدبية تحمل في حروفها شيئًا من النور، وتمنح الشعر مساحةً جديدة للبوح والتأمل. ومن بين هذه الأسماء تبرز الشاعرة والأديبة زينة سليم، التي تجمع في تجربتها بين أصالة اللغة العربية، وعبق التراث، وروح الحداثة، في مسيرة تتداخل فيها العاطفة مع الفكر، والإبداع مع الرسالة الإنسانية.
زينة سليم ليست مجرد اسم يكتب القصائد، بل تجربة أدبية تسعى إلى التعبير عن الإنسان في أفراحه وأحزانه، وفي انكساراته وآماله، وفي رحلته الدائمة بحثًا عن معنى الحياة. إنها تؤمن بأن الكلمة ليست حبرًا على ورق فحسب، بل إحساس ينبض، وفكرة تنير، ورسالة قد تترك في النفس أثرًا يتجاوز لحظة القراءة.
* التجربة الشعرية: حين يتحول الألم إلى أمل.
تتسم تجربة زينة سليم بنزعتها الوجدانية وقدرتها على الاقتراب من المشاعر الإنسانية، حيث يتحول الألم في قصائدها إلى مساحة للتأمل، وتصبح المعاناة فرصةً لاستعادة القوة والإيمان بالمستقبل.
وفي ديوانها «غدر السنين»، كما في نصوصها الأخرى، تبرز موضوعات الزمن والحنين والصبر ومواجهة تقلبات الحياة. وتقول في أبيات تحمل دعوةً إلى التفاؤل والثبات:
تنجحين وترفعين راية النصر
فلا داعي أن تحزني
فاصبري… فالله مع الصابرين.
إنها كلمات تختصر رسالةً إنسانية تقوم على الإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز الصعاب، وعلى أن العثرات ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايةً لمرحلة أكثر نضجًا وقوة.
وتتنوع كتاباتها بين الشعر الكلاسيكي والحديث، والوجداني والوطني والرمزي، بما يعكس تعدد الموضوعات التي تستلهمها في تجربتها الأدبية.
ومن أبرز دواوينها:
١- «قررت الرحيل» (٢٠١٧)، الصادر عن دار القلم.
٢- «إبحار بلا شراع» (٢٠١٩)، الصادر عن دار القلم.
٣- «أنفاس حرة» (٢٠٢٢)، الصادر عن دار إسكرايب للنشر والتوزيع في جمهورية مصر العربية.
كما تضم تجربتها دواوين إلكترونية متعددة، منها «مرآة قلب»، و«تراب القلب»، و«أنثى تعبر الظل»، و«بعيني سكون»، و«بقلبي غيمة»، و«نبض الحكي»، و«أنفاس الفصول».
وتتجلى رهافة الصورة الشعرية في قولها:
كأنني امرأة من مطر
أهطلُ في لحظة الحنين، وأختصر
كلَّ المواويل التي بكت
على وترِ الغيابِ المنتظر…
في هذه الصورة، يمتزج الحنين بالمطر، ويتحول الغياب إلى وترٍ يحمل أصداء الذاكرة، فتغدو القصيدة مساحةً تتلاقى فيها المشاعر الفردية مع التجربة الإنسانية المشتركة.
* مسيرة علمية ومهنية حافلة بالعطاء.
لا تقف اهتمامات زينة سليم عند حدود الشعر، بل تمتد إلى مجالات العلم والثقافة والإعلام والتعليم والعمل الاجتماعي، في دلالة على إيمانها بأهمية المعرفة المستمرة ودور المثقف في خدمة مجتمعه.
فعلى المستوى الأكاديمي، تابعت دراساتها في اللغة العربية، واهتمت بمجالات متخصصة، منها تمكين المرأة والترجمة القانونية والتنمية البشرية واللغات. كما حصلت، وفق المعلومات الواردة في سيرتها، على شهادات دكتوراه فخرية وشرفية تقديرًا لعطائها الثقافي والأدبي والإنساني.
أما مهنيًا، فقد جمعت بين العمل الإعلامي والثقافي والتعليمي، وشغلت مهام التحرير وتنسيق العلاقات العامة في منصة حرمون، إلى جانب عملها في التدريس في عدد من المدارس والمعاهد، ومشاركتها في لقاءات تلفزيونية وإذاعية وندوات توعوية.
ويكشف هذا التنوع عن شخصية لا ترى الثقافة نشاطًا منفصلًا عن الحياة، بل تعتبرها وسيلةً للتواصل وبناء الوعي، وجسرًا يصل المعرفة بالإنسان، والإبداع بقضايا المجتمع.
* حضور عربي ودولي ورسالة تتجاوز الحدود.
امتد حضور زينة سليم إلى فعاليات ثقافية وأدبية في لبنان والعراق ومصر وباريس والإمارات، حيث شاركت في لقاءات ومناسبات تسهم في تعزيز التواصل بين المبدعين وتبادل التجارب الثقافية.
كما تُرجمت بعض نصوصها إلى لغات أخرى، من بينها البرتغالية، ونالت جوائز ودروعًا وشهادات تقدير من جهات ثقافية عربية ودولية، بحسب سيرتها التعريفية.
ووُثقت مسيرتها ضمن «موسوعة الشعر النسائي المعاصر (١٩٥٠-٢٠٢٠)»، التي أعدّتها الباحثة فاطمة بوهراكة، وضمت أسماء شاعرات عربيات من أجيال وتجارب متعددة.
ويمنح هذا الحضور الثقافي أهميةً لفكرة أن الشعر لا يعرف الحدود الجغرافية؛ فالكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر من لغة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر، حين تلامس مشاعر الإنسان وتعبّر عن تطلعاته المشتركة.
ومن هذا المنطلق، تبرز رسالتها بوصفها شاعرة تسعى إلى جعل الأدب مساحةً للحوار والتقارب، وإلى تأكيد أن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة لبناء الإنسان وتعزيز قيم السلام والتسامح والانفتاح.
* زينة سليم: شمس وادي التيم وذاكرة الحرف.
في ختام هذه الإضاءة على مسيرتها، تبدو زينة سليم أكثر من شاعرة تحمل قلمًا؛ إنها امرأة اختارت الكلمة طريقًا للتعبير، وجعلت من الشعر مساحةً لاحتضان المشاعر الإنسانية، ومن الثقافة بابًا للمعرفة والتواصل.
إنها ابنة وادي التيم، تحمل في حضورها اعتزازًا بالمكان، وفي كتاباتها شغفًا باللغة، وفي تجربتها طموحًا إلى أن تبقى الكلمة حيّةً وقادرةً على التأثير.
وإذا كان الشعر مرآة الروح، فإن قصائدها تمثل محاولات لالتقاط ما يمرّ في القلب من حنين وألم وأمل، وتحويله إلى كلمات يجد فيها القارئ شيئًا من نفسه.
زينة سليم… شاعرة تجعل من الحرف وطنًا، ومن القصيدة جسرًا إلى الإنسان، ومن الإبداع رسالةً تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ قصيدة تحمل بصمتها الخاصة، وتسعى إلى أن تترك في ذاكرة الأدب أثرًا من نور.




