مجتمع ومنوعات

ادفنوا موتاكم ولا تدفنوا تاريخكم

بقلم الاستاذ علي سري الدين

عند كل حدث، وعند كل طارئ يطرأ على حياتنا،
يقف العقل حائرًا، يلتمس جوابًا، ويتساءل ويحلّل، محاولًا أن يفهم كيف وقع ما كان يظنّه مستحيلًا.
كيف لإنسان أن يتحدّى منطق الحياة، وأن يسلك عكس ما يمليه العقل،
وما يقتضيه المنطق،
وما دوّنه الفلاسفة في كتبهم ومجلّداتهم؟
جميل أن نتعرّف، عبر صفحات الزمن الغابر،
إلى ما جرى فوق بقاع الأرض
من أحداث وحكايات،
لكن الأجمل أن نطوي صفحات المآسي
التي ألمّت بنا، وتركت في الذاكرة
أقسى الصور وأشدّ الذكريات وجعًا.
جميل أن نمزّق دفاتر الماضي
التي لا تذكّرنا إلا بالمواقف المؤلمة،
وبالتصرّفات التي لا تليق بالإنسان،
والأجمل أن نفتّش عمّا خلّفه لنا الأهل والأجداد
من مواقف تُدخل الفرح إلى القلوب،
وتزرع السعادة في المجتمعات.
جميل أن نتذكّر الرجال
الذين قدّموا أنفسهم قرابين
على مذبح العطاء والتضحية،
وجعلوا من مواقفهم صفحات مجدٍ
تضيء دروب الأجيال.
جميل أن نتذكّر سلطان باشا الأطرش،
بمواقفه الشامخة وعزّته وأعماله،
وأن نستعيد سِيَر الرجال الذين مدّوا أيديهم
إلى المحتاجين، وبذلوا أنفسهم في سبيل الإنسان،
ومن بينهم البطريرك الدمشقي
غريغوريوس الرابع حدّاد،
ومحدّث الشام الأكبر، الشيخ بدر الدين الحسيني.
نعم، يا أبناء هذا الشرق،
ادفنوا موتاكم، ولا تدفنوا تاريخكم،
واطووا صفحات الشرّ، ولا تجعلوا المآسي
التي مررتم بها سلاحًا في وجه بعضكم بعضًا.
ارفعوا أبصاركم إلى السماء،
واستلهموا من رحابها معنى الأمل،
وقرّروا أن الحياة لا تستقيم
إلا بالخير، واستحضار الفضائل،
وتذكّروا مواقف الرجال
التي تجمع ولا تفرّق،
وتوحّد ولا تمزّق.
يؤلمني أن أسمع من يستحضر المآسي،
ويعيد إلى الذاكرة مشاهد القتل والتهجير
وسَفك الدماء، كأنّ الماضي لم يكتفِ
بما خلّفه من جراح،
وكأنّ حاضرنا لا يحمل من الأوجاع ما يكفي.
وما يؤلمني أكثر أن نرى، في أيامنا هذه،
من يسعى إلى إثارة الفتن،
وإعادة إشعال نيران الحروب،
وزرع بذور الكراهية والدمار.
لا، يا أحبّتي في الإنسانية،
ليس في استعادة الأحقاد خلاص،
ولا في إحياء الفتن بناء،
ولا في سفك الدماء انتصار.
إنّ القيمة الحقيقية للإنسان
لا تكمن في ما يملكه أو يردّده،
بل في ما يقدّمه من خير،
وما يبذله من عطاء،
وما يتركه من أثر طيّب في حياة الآخرين.
ولا قيمة لمجدٍ لا يصون كرامة الإنسان،
ولا لعزّةٍ لا تحفظ حقّه،
ولا لوطنٍ لا يجمع أبناءه
على المحبّة والعدالة والعيش الكريم.
طوبى لرجال الخير، ولكلّ من ضحّى من أجل الآخرين،
ولكلّ من جعل من حياته جسرًا
تعبر عليه الأجيال نحو غدٍ أفضل.
دوموا رجالًا للخير،
وسندًا للعزّة والكرامة،
واجعلوا من تاريخكم مصدرًا للحكمة،
لا بابًا للخصام، ومن ذكرياتكم جسرًا للمحبّة، لا طريقًا إلى الحروب.
محبّتي واحترامي لكلّ من أحبّ، وآمن بالحقّ والخير والجمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى