
طغى حدث الطائرة الإماراتية بركابها الإسرائيليين على ما عداه من أحداث على مستوى العالم، وكثيرة الروايات التي حيكت من أماكن ومواقع ومنصات مختلفة، تارة عن اشتباك في قمرة قيادة الطائرة بين الطيارين، وتارة أخرى عن عمل إرهابي لخطف الطائرة، وتارة ثالثة عن محاولة أحد الطيارين السيطرة عليها وإسقاطها، وتارة رابعة حول هوية الطيارين، بين قائل عن طيار إماراتي وآخر عماني، وقائل عن طيار روسي وآخر أوكراني. كل ذلك فرض حالاً من الترقّب القلق لمجريات هذا الحادث، والمخاوف الجدّية من تداعياته، وخصوصاً أنّ الإعلام الإسرائيلي بدأ الترويج لتورط إيران في هذا الحادث. على أنّ السؤال الأساس الذي صاغه هذا الحادث: أي جهة تقف خلفه، وما هي دوافعه، وما هي أهدافه، ولماذا في هذا التوقيت بالذات، الذي يبعد أسابيع قليلة عن انتخابات الكنيست في إسرائيل؟
تجلّى الحادث حينما أرسلت طائرة مدنية تابعة لشركة طيران «فلاي دبي» نداء استغاثة، بينما كانت في رحلة بين دولة الإمارات العربية المتحدة وتل أبيب وعلى متنها نحو 100 إسرائيلي، وغيّرت مسارها وهبطت في مطار تبوك في السعودية، حيث بوشرت التحقيقات.
وتزامن الحادث مع استنفار أمني إلى الحد الأقصى، خصوصاً من قبل المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل، فيما تقاطعت الروايات عن الحادث، حول خلاف بين الطيارَين، أقدم خلاله أحدهما على طعن الثاني بسكين، ومحاولة السيطرة عليها وإسقاطها، قبل أن يتمّ إحباط محاولته وتحييده، على ما كشف بعض الركاب.
رواية
ونقلت وكالة «فرانس برس» عن إحدى الراكبات في الطائرة ميريام شيرا أوهيون قولها: «إنّ مساعد الطيار طعن قائد الطائرة وحاول إسقاطها لقتل جميع مَن على متنها».
وأضافت: «إنّ الطائرة كانت «خارجة عن السيطرة تقريباً عندما وقع حادث الطعن فوق الأردن، أثناء الرحلة المتجهة من دبي إلى تل أبيب».
وأوضحت في تصريحات للصحافيين عبر مكبر للصوت على هاتف والدتها التي كانت تنتظرها في مطار بن غوريون قرب تل أبيب، «أنّ مساعد الطيار حاول قتل الطيار وتنفيذ هجوم انتحاري بالطائرة. وقد كانت الطائرة في طريقها للسقوط بالفعل، ولولا سرعة البديهة لدى العديد من الأشخاص الذين سيطروا على مساعد الطيار وشلّوا حركته، لكانت الكارثة قد وقعت».
وتابعت: «كان هناك طبيب قدّم الإسعافات الأولية، وأشخاص عالجوا كلاً منهما. لم تقع إصابات أخرى بخلاف الطيار، لكن الخوف الأكبر كان من تحطم الطائرة، وهو بالضبط ما كان يحاول المعتدي فعله».
وقالت والدتها ياسمين أبوكاسيس: «إنّ ابنتها كانت على متن الرحلة لحضور مراسم تأبين لشقيقها الذي قُتل في هجوم حركة «حماس» على إسرائيل في 7 تشرين الأول 2023». وروت «انّ ابنتها اعتقدت أنّهم سيموتون، ذهبت امرأة كانت بصحبة ثلاثة أطفال إلى (قمرة القيادة) ورأت الكثير من الدماء».
وأشارت، إلى وجود طيارين آخرين على متن الطائرة توليا القيادة وغّيرا مسارها نحو المملكة العربية السعودية.
إستنفار إسرائيلي
وفرض الحادث استنفاراً إسرائيلياً سياسياً وأمنياً، وإرباكاً على أكثر من صعيد. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «إنّ حادث طائرة «فلاي دبي» كان خطيراً جداً»، معلناً أنّه أمر المنظومة الأمنية بالاستعداد للمزيد من التهديدات المحتملة، مؤكّداً أنّ أحد الطيارين طعن الآخر ثم حاول على ما يبدو إسقاط الطائرة. وأضاف: «نتابع بشكل متواصل مع السلطات المعنية للتأكّد من سلامة ركاب طائرة «فلاي دبي» وغالبيتهم من الإسرائيليين»، موضحاً أنّه تمّ القبض على الطيار الطاعن، ويجري استجوابه حاليًا من قبل السلطات السعودية». وأعلن تعزيز إجراءات الأمن على كل شركات الطيران الإسرائيلية وغير الإسرائيلية.
ووصف وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الحادث بالخطير، «حيث كان محاولة تنفيذ عملية إرهاب جهادي»، مشيراً إلى أنّ «المعلومات الأولية التي في أيدينا تفيد بأنّ نية المخرّب كانت تدمير الطائرة بمن فيها». وقال: «إنّ العملية جرى إجهاضها بفضل ركاب إسرائيليين اقتحموا قمرة القيادة».
اما وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، فقال: «إنّ من حاول إسقاط طائرة وقتل 180 إسرائيلياً يجب أن يدفع الثمن كما لو أنّه ارتكب جريمة قتل».
المنطقة إرباك
وتزامن هذا الحادث، مع وضع مربك يسود المنطقة، التي يؤرقها الملف الإيراني بتطورات متسارعة ومتناقضة في آن معاً، تميل بها تارة نحو إيجابيات فارغة، تغلّب احتمال عودة الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى المسار التفاوضي، وترجيح الوصول إلى تسوية تنهي الحرب، وتارة أخرى بين وقائع تنسف تلك الإيجابيات، ترفع سقف التهديدات إلى مستويات خطيرة، وتنذر بعودة وشيكة إلى استئناف المواجهات الحربية. والصورة يعكسها ديبلومسي غربي بقوله لـ»الجمهورية»: «الأميركيون والإيرانيون يتفقون على أمر وحيد في هذه الفترة، وهو أنّ بعض الوسطاء يتحركون وينقلون افكاراً وطروحات، ويتفقون ايضاً على انّ هذه الأفكار والطروحات مصطدمة بحائط مسدود. وذلك يؤكّد بلا أدنى شك، أنّ هذا المسار لا يتسمّ بالجدّية من قبل الجانبين. وتبعاً لذلك فإنّ ما يجري خلاله من نقاشات او لقاءات لا تعدو أكثر من محاولات لتمرير الوقت، او بمعنى أدق، نقاش في الوقت الضائع».
ويخالف الديبلوماسي الغربي ما يصفها بالنظرية القائلة بأنّ الحراكات التي تجري حالياً، سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، هي حراكات تأسيسية لتسوية جدّية تنهي الحرب، تظهر معالمها بعد الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة خلال الأسبوع الاول من تشرين الثاني المقبل، ويقول: «اقتراب الانتخابات النصفية في الولايات الأميركية لا يعني اقتراب الحلول وإنهاء الأزمة بين واشنطن وطهران. فالتسوية او الصفقة او الاتفاق، كلها امور تتطلّب تنازلات. ووفق المعطيات الأكيدة، فلا الولايات المتحدة مستعدة للتنازل، وإيران بدورها شديدة التصلّب وغير قابلة بالتراجع لا حول مضيق هرمز ولا حول أي من الامور المتصلة بها وبما تُسمّى أذرعتها في المنطقة. وواشنطن وطهران توصلتا قبل أشهر إلى مذكرة تفاهم سرعان ما نُسفت. ومن هنا، أرجح استمرار فترة «خفض التصعيد» القائم بين الجانبين، إلى ما بعد الانتخابات الأميركية، واما بعدها، فلا استبعد العودة إلى حرب جديدة، ومواجهات أكثر شدّة وصعوبة».
جمود حتى إشعار آخر
وأما على المستوى اللبناني، فالمراوحة السلبية سيدة الموقف، ومداها، كما يقول مسؤول رفيع لـ«الجمهورية» مفتوح إلى ما شاء الله، وأما سببها، فعاملان إقليمي وداخلي، ويقول: «على المستوى الإقليمي، فإنّ التطورات المتسارعة على الخط الإيراني، وارتباطها المباشر بدول المنطقة من اليمن إلى طهران وسائر دول الخليج، ومن دون أن نغفل العامل الإسرائيلي المرتبط مباشرة بالحرب القائمة، نُحّي الملف اللبناني جانباً في هذه الفترة، ولكن من دون أن يجّنبه أي ارتدادات او تداعيات قد تنشأ عن تلك التطورات. ولبنان في هذه الحالة لا يملك قدرة تغيير الامور، وبالتالي فُرض عليه انتظار صعب».
وأما على المستوى الداخلي، يضيف المسؤول عينه، «فالوضع السياسي منخور بانقسامات حادة سياسية وغير سياسية، والمستوى الرسمي يعاني من جهة، نوعاً من سوء التفاهم وعلاقات رخوة، او بالأحرى علاقات باردة مفتقدة للحرارة المطلوبة بين مستوياته، ويفتقد من جهة ثانية الحماسة المطلوبة التي تفرضها دقة المرحلة الراهنة وتعقيداتها وتحدّياتها ومخاطرها، ويُترجم ذلك بانعدام أي حراك نوعي حيال أي من الملفات الأساسية. والمناخ العام يشي بأنّ الامور جميعها مجمّدة حتى إشعار آخر».




