اخبار محليةالرئيسية

من “الأصفر” إلى “الرمادي”: ماذا تريد إسرائيل من الجنوب؟

غادة حلاوي - المدن

لا يبدو الجنوب أمام مرحلة عابرة من التصعيد، بل أمام محاولة لإعادة رسم واقعه الجغرافي والأمني. بين خط أصفر ومنطقة رمادية تتسع بفعل التفجيرات، تتشكل تدريجياً حدود جديدة للجنوب، فيما تتراجع فرص عودة الأهالي إلى مناطق تحوَّلت بفعل العدوان الإسرائيلي إلى أرض محروقة أو مناطق عازلة.

يرزح الجنوب منذ ما يقارب ثمانية أشهر تحت وطأة عدوان إسرائيلي مريب، تتوالى خلاله التفجيرات الضخمة التي تجرف المنازل بعد إحراقها. وفي الميدان، يبرز خط أصفر تسبقه منطقة رمادية، فيما تضيع بينهما معالم الخطين الأخضر والأزرق. ووفق المعطيات المتوافرة، فإن هذا الواقع مرشح لمزيد من التوسع، مع استمرار التفجيرات واستهداف مزيد من الأراضي بهدف إفراغها من أهلها، أو ما تبقى منهم، ولا سيما المناطق الواقعة داخل الخط الأصفر وعلى حدوده.

وتندرج في المعلومات الموثقة معطيات تشير إلى أن الجنوب مقبل على مزيد من الدمار، وأن نطاق العدوان مرشح للتوسع. ومما جرى الإبلاغ به، أن إسرائيل تعتزم الانسحاب بعد فترة من المنصوري، لكن بعد أن تصبح البلدة غير مؤهلة للسكن بالكامل، مع رفض عودة الأهالي إليها حتى بعد مرور فترة على الانسحاب.

ولا يقتصر الأمر على المناطق المحاذية للحدود. ففي الجنوب، تعمد إسرائيل أيضاً إلى إقامة بوابات ترسم من خلالها حدوداً يُمنع الاقتراب منها. وقد أقامت واحدة عند مدخل عين إبل، في محاولة لإحكام السيطرة على المنطقة المسيحية وتحديد الداخل إليها والخارج منها.

إسرائيل منزعجة من عدم التجاوب معها

وتشير المعطيات إلى أن إسرائيل منزعجة من عدم تجاوب أهالي هذه القرى التي نقلت المساعدات إليهم. وكانت تريد، وفق هذه المعطيات، خلق واقع أمني معين في العلاقة مع أهالي القرى المسيحية، وإخضاعهم لسلطتها بما يضمن لها، من وجهة نظرها، مزيداً من الأمان في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تحاول إسرائيل فتح قنوات تنسيق مباشرة مع قيادة منطقة الجنوب في الجيش اللبناني، الموجودة جنوباً. وقد سعت إلى ذلك مرات عدة، وهي لا تتوقف محاولاتها، إلا أن القرار العسكري اللبناني يبقى صارماً في هذا المجال، خصوصاً بعد الاحتكاكات التي تسعى إسرائيل إلى حدوثها، طالما أنها لا تزال تحتل أراضي لبنانية.

وإذا كان المشهد الميداني يرسم حدوداً جديدة، فإن الجنوب يبدو مقبلاً على مرحلة أصعب من وضعه الحالي، مع توقع استمرار التصعيد. ويأتي ذلك في ظل الانتخابات الإسرائيلية ومصير بنيامين نتنياهو السياسي والانتخابي، إذ تشير القراءة المتداولة إلى أن حراجة وضعه الانتخابي قد تدفعه إلى رفع سقف التصعيد في الجنوب.

وفي هذا السياق، يبدو أن الجنوب يتجه إلى واقع جغرافي مقسم بفعل العدوان الإسرائيلي. فالمنطقة الرمادية المحاذية للحدود مع فلسطين المحتلة قد تتحول إلى أرض محروقة، تمنع إسرائيل عودة أهلها إليها لأمد طويل. وبعد هذه المنطقة، يأتي الخط الأصفر الذي تقع ضمن نطاقه أراضي بلدات وقرى جنوبية مرشحة للدمار الكامل، ما يجعلها خط حماية للنطاق الرمادي.

وفي هذه المناطق أيضاً، يُمنع الأهالي من الدخول إليها أو إعادة الإعمار، ما يكرس واقعاً جديداً لا يقتصر على العمليات العسكرية، بل يمتد إلى طبيعة الوجود السكاني والعمراني في المنطقة الحدودية.

ومن خلال المنطقة الرمادية، تبدو إسرائيل معنية بتقليص مساحة الخط الأصفر، إذ إن توسيع نطاق الاحتلال يزيد، في المقابل، من مخاوفها من أن تصبح قواتها وأهدافها عرضة لعمليات حزب الله. ولذلك تسعى، وفق هذه القراءة، إلى إحكام احتلال منطقة وتحويل منطقة أخرى محاذية لها إلى نطاق حماية للمنطقة الرمادية.

السيطرة بالنار خارج الخط الأصفر

أما في النطاق الجغرافي الواقع خارج الخط الأصفر، فستستمر إسرائيل في اعتماد السيطرة بالنار، مع تنفيذ مزيد من التفجيرات التي تزايدت في الآونة الأخيرة في منطقة سجد ونطاق جبل الريحان. وهذه مناطق ذات أهمية جغرافية استراتيجية، تسيطر عليها إسرائيل بالنار، لكن لا توجد مؤشرات عسكرية تؤكد أن إسرائيل بصدد اتباع المنهجية نفسها التي اتبعتها في علي الطاهر.

وفي المقابل، لا توجد معطيات تؤكد نية إسرائيل احتلال المزيد من الأراضي باتجاه الزهراني وصولاً إلى صيدا. صحيح أن توسعاً من هذا النوع لا يبدو بعيداً تماماً عن بعض النوايا الإسرائيلية، إلا أن خطوة كهذه قد تسهّل عمل المقاومة في استهداف القوات الإسرائيلية في منطقة مكشوفة الحدود. وسياسياً، قد تضع لبنان الرسمي في حلّ من المفاوضات والاتفاق الإطار الموقّع معها.

لذلك، يستبعد لبنان أن تصل إسرائيل إلى حد الاحتلال الواسع، لكنه يتوقع أن ترفض الانسحاب من منطقة تجريبية ثانية، كما ترفض وقف العدوان. وقد أبلغت، بحسب المعطيات المتوافرة، أن الوضع في الجنوب سيبقى على ما هو عليه لفترة زمنية طويلة الأمد: لا انسحاب، ولا وقف للتفجيرات، ولا منطقة تجريبية ثانية.

وفي موازاة ذلك، تفيد المعلومات بأن الجانب الأميركي أبلغ المعنيين في لبنان أن الضغط على إسرائيل لا يجدي نفعاً، ولذلك هو بات موجهاً إلى لبنان. وفي لقاء جمع السفير الأميركي ميشال عيسى مع شخصية لبنانية وازنة، سأل عما يمكن تقديمه، فجاءه الجواب بأن المطلوب هو تقليل الضغط على لبنان طالما أن واشنطن فشلت في الضغط على إسرائيل.

وعيسى نفسه صارح أحد المقربين باستحالة الضغط على إسرائيل، لأنها لم تعد تستجيب، وأن نقطة التحول التي تنتظرها واشنطن تتمثل في نتائج الانتخابات الإسرائيلية.

وإزاء هذا الواقع، لا ينتظر لبنان الكثير من جلسة المفاوضات العسكرية التي ستُعقد في فلوريدا. وستُخصص الجلسة لبحث أمور عملياتية تتعلق بالمناطق التجريبية، وآليات التنسيق عبر الوسيط الأميركي بشأن الجنوب والمناطق المحتلة.

والموعد الذي أبلغته واشنطن قد يكون نهائياً، فيما لا تبدو مشاركة السفير السابق سيمون كرم محسومة بعد. أما المحسوم، وفق المعطيات المتوافرة، فهو أن المفاوضات السياسية رحّلتها إسرائيل إلى ما بعد الانتخابات.

لا خيارات بديلة

وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المتزايد، لا يملك لبنان الكثير من الخيارات، سوى التمسك باستمرار المسار التفاوضي الذي لا يرى بديلاً عنه. وهذا المسار كان قائماً في المرحلة السابقة على التزام إسرائيلي به تجاوباً مع الضغط الأميركي.

أما ما كان يحيط بهذا المسار من قرارات أممية وقوى مراقبة لتنفيذ هذه القرارات، فقد أصبح في علم الغيب، في ظل واقع يبدو أن المطلوب فيه، إسرائيلياً، هو جنوب خالٍ من سكانه، ومنطقة عازلة واسعة النطاق تسيطر عليها إسرائيل من دون وجود أي قوىً دولية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى