من طفلٍ في الثالثة… إلى مواطنٍ إيطالي يؤدي قسمه
عن صفحة رئيس جمعية تنمية السلام العالمي حسين غملوش

هناك أيام لا تمرّ في حياة الأب كغيرها من الأيام، لأنها تعيد أمام عينيه رحلةً كاملة من العمر.
واليوم كان واحدًا من هذه الأيام بالنسبة إليّ.
قبل سنوات طويلة، جئت إلى إيطاليا وبرفقتي زوجتي وابناي؛ وكان ابني البكر علي طفلًا في الثالثة من عمره، وإلى جانبه أخوه جاد.
كان علي يومها طفلًا صغيرًا يمسك بأيدينا، لا يعرف شيئًا عن الطريق الطويل الذي ينتظره، ولا عن السنوات والذكريات والتجارب التي ستصنع جزءًا كبيرًا من حياته في هذا البلد.
واليوم، وقفت إلى جانبه من جديد… ولكن المشهد تغيّر.
ذلك الطفل أصبح شابًا، ووقف اليوم أمام مؤسسات الجمهورية الإيطالية ليؤدي قسمه بمناسبة حصوله على الجنسية الإيطالية. 🇮🇹
وبين صورة الطفل الذي جاء معنا في الثالثة من عمره، وصورة الشاب الذي رأيته اليوم يؤدي قسمه، تختصر أمامي سنوات من حياة عائلتنا: بدايات، وتعب، وعمل، وتضحيات، وذكريات، وآمال، وأيام جميلة وأخرى صعبة، لكنها جميعًا أصبحت جزءًا من قصتنا.
علي، ابني البكر،
أعرفك ابنًا خلوقًا ومحترمًا، وأعرف ما يعنيه لك أن تصل اليوم إلى هذه المحطة من حياتك.
وفرحتي بك لا تأتي فقط من حصولك على الجنسية الإيطالية، بل من أن أراك تدخل هذه المرحلة الجديدة وأنت تحمل معك القيم التي تربيت عليها: الاحترام، والكرامة، والنزاهة، والعمل، وتحمل المسؤولية.
لقد كنت أول أبنائي، ومعك بدأتُ أتعلم معنى الأبوة ومسؤوليتها. واليوم، وأنا أراك شابًا أمامي، أدرك مرة أخرى كم تمر السنوات سريعًا، وكم تبقى بعض اللحظات محفورة في قلب الأب مهما مرّ عليها الزمن.
احمل معك دائمًا جذورك وتاريخ عائلتك، واعتزّ بها، ولكن احمل أيضًا بكل فخر ومسؤولية مواطنتك الإيطالية.
فالجذور لا تتعارض مع الانتماء، والمحبة لوطن الأصل لا تنتقص من الوفاء للوطن الذي نشأ فيه الإنسان وبنى فيه حياته ومستقبله.
والمواطنة ليست جواز سفر أو وثيقة فحسب؛ إنها حقوق وواجبات، واحترام للدستور والقانون، ومسؤولية تجاه المجتمع والناس.
أتمنى لك، يا علي، أن تكون مواطنًا يضيف إلى المجتمع الذي يعيش فيه، وأن تبقى كما عرفتك: محترمًا للآخرين، وفيًا لعائلتك، مسؤولًا في اختياراتك، وأن تجعل من عملك ونجاحك وأخلاقك أفضل تعبير عن القيم التي نشأت عليها.
وفي هذا اليوم، أشارك هذه الفرحة مع والدتك، ومع أخيك جاد وأختك دنيا، لأن رحلة أي واحد منكم هي، بالنسبة إلينا، جزء من رحلة عائلة كاملة.
وأتوجه بالشكر والتقدير إلى الجمهورية الإيطالية ومؤسساتها، وإلى كل من رافق علي في مسيرته حتى هذه اللحظة.
أما لك يا ابني البكر، فأقول:
بالأمس كنت أمسك بيدك طفلًا في الثالثة من عمرك ونحن نبدأ معًا رحلة جديدة في إيطاليا… واليوم أقف إلى جانبك وأنت تؤدي قسمك مواطنًا إيطاليًا.
وبين الأمس واليوم عمرٌ كامل من الذكريات لا تستطيع الكلمات أن تختصره.
مبروك يا علي.
أنا فخور بك، وأسأل الله أن يوفقك ويحفظك، وأن يجعل هذه اللحظة بداية فصل جديد وجميل من حياتك.




