سوريا مهددة بانفجار اجتماعي.. أين إيرادات النفط؟

قبل أيام قليلة من خروج السوريين في عدد من المناطق احتجاجاً على رفع أسعار المشتقّات النفطية، أصدرت وزارة المالية تقييماً موجزاً لتنفيذ موازنة الدولة خلال النصف الأول من العام الحالي. ولم تحظَ المؤشرات التي تضمّنها ذلك التقييم، وتأثيراتها في حياة السوريين، بما تستحقّه من اهتمام ونقاش حكوميَّين، ولا سيما في ما يتعلّق بتدنّي نسبة الإنفاق على الدعم الاجتماعي. وجاء هذا في وقت كانت فيه التقديرات البحثية تشير إلى أن خطّ الفقر المدقع للأسرة السورية، باعتباره مؤشراً إلى الحرمان من الغذاء، يُقدَّر بنحو 3.3 مليون ليرة، فيما الأجر الشهري للموظف الجامعي الحكومي لا يتجاوز 1.4 مليون ليرة، وأجر العامل في القطاع التجاري الخاص يبلغ نحو 2.8 مليون ليرة.
وفي التقييم المشار إليه، خلُصت وزارة المالية إلى أن الإيرادات المتحقّقة بلغت نحو 2.7 مليار دولار، مشكّلةً بذلك 31% من إجمالي الإيرادات المتوقّعة. أمّا في جانب الإنفاق، فتشير البيانات إلى أنه بلغ نحو 3.7 مليار دولار، وهو ما يمثّل نحو 35% من النفقات المعتمدة في الموازنة العامّة للدولة. وبذلك، فإن الموازنة، في نصفها السنوي الأول، حقّقت عجزاً قدره مليار دولار، أي ما نسبته نحو 56% من العجز المقدّر كاملاً.
ملاحظتان أساسيتان غابَتا عن النقاشات التي دارت حولها. تتعلّق الأولى بتوزّع الإنفاق الحكومي خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، وتحديداً الإنفاق على بند الدعم والضمان الاجتماعي، بينما تتّصل الثانية بتوريد إيرادات النفط والغاز إلى الخزينة العامّة،.
في بند الإنفاق، ثمّة تباين واضح في تبويب النفقات بين نسختَي «موازنة المواطن» الأولى والثانية، واللتَين صدرتا من دون أن تقدّم وزارة المالية أيّ توضيح أو تفسير في شأنهما. ففي النسخة الأولى، قُدّرت النفقات العامة بنحو 10.5 مليار دولار، ووُزّعت على ثلاثة أبواب رئيسة: نفقات جارية بنسبة 60%، ونفقات استثمارية بنسبة 27%، ودعم وضمان اجتماعي بنسبة 13%. ومن ثمّ، أعادت الوزارة، في موضع آخر، توزيع هذه النفقات على ثلاثة قطاعات حكومية، هي: الإنفاق على الأنشطة الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية، ونسبته 41%؛ وأنشطة الدفاع والأمن الوطني، بنسبة 33%؛ وثالثاً، الإنفاق على أنشطة الخدمات العامة، بنسبة 26%. أمّا النسخة الثانية، الخاصة بالتقييم النصف السنوي، فجرى فيها تصنيف الإنفاق تبعاً لأربعة تبويبات مختلفة: الرواتب والأجور والتعويضات، والتي شكّلت نحو 36% من إجمالي ما أُنفق خلال المدة المذكورة؛ والنفقات الاستثمارية بنسبة 28%؛ وتلك الإدارية بنسبة 28%؛ والدعم والضمان الاجتماعي بنسبة 9%.
ثمّة تباين واضح في تبويب النفقات بين نسختَي «موازنة المواطن» الأولى وسؤال عن إيرادات النفط
وبمعزل عن الاختلاف الواضح في طريقة عرض هيكل الإنفاق بين التصنيف الاقتصادي ونظيره الوظيفي، والذي لم يُرفق بجدول يوضح للمواطن العلاقة بينهما، فإن ما يستدعي الاهتمام هو بند الدعم والضمان الاجتماعي. فبحسب البيانات الأخيرة، بلغ الإنفاق على هذا البند، خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، نحو 315 مليون دولار، أي نحو 9% فقط من إجمالي النفقات الفعلية للموازنة؛ وتلك نسبة متدنية جداً، تؤشّر إلى أن الدعم الاجتماعي بات رهناً بالحسابات الحكومية، وليس حقاً لشريحة واسعة من السوريين الذين يعانون ضغوطاً اقتصادية ومعيشية فاقمتها أوضاع ما بعد التحوّل السياسي. فمذّاك، استمرّ ارتفاع معدّل التضخم، وتدهورت القوة الشرائية للدخول، فيما تمّ تسريح آلاف العاملين بحجّة أنهم محسوبون على النظام السابق، وتحرير أسعار المشتقات النفطية، وغير ذلك، علماً أن مخصّصات دعم المشتقّات النفطية البيضاء (المازوت والبنزين) وحدها بلغت، قبل إلغائها نهاية عام 2024، ما يزيد على مليار دولار سنوياً.
وإلى جانب تدنّي نسبة الإنفاق على بند الدعم والضمان الاجتماعي، تُظهر المقارنة بين اعتمادات البند المذكور في نسختَي «موازنة المواطن»، وجود فارق قدره 1.4 مليار دولار. ففي النسخة الأولى، قيل إن اعتماداته تشكّل نحو 13% من إجمالي النفقات البالغة 10.5 مليار دولار، أي ما مقداره 1.05 مليار دولار، فيما جاء في نسخة التقييم الأخيرة أن هذه الاعتمادات تصل إلى نحو 2.4 مليار دولار. فهل زادت وزارة المالية مخصّصات هذا البند من دون أن تعلن ذلك؟ أو أنها ضمّت بنداً آخر إليه لرفع نسبة الإنفاق عليه أمام السوريين؟ أم أن الأمر برمّته مجرّد خطأ في حسابات الوزارة وفي تعاملها مع بيانات الموازنة؟
أين إيرادات النفط؟
يثير توضيح وزارة المالية المتعلّق بالمدة الزمنية التي بدأ خلالها توريد إيرادات النفط والغاز إلى الخزينة العامة، تساؤلات عن مصير إيرادات هذا القطاع طوال المدة الممتدّة بين كانون الأول 2024 ونيسان 2026، خاصةً أن هذه الإيرادات ليست قليلة في ضوء عدّة متغيّرات، أبرزها: ارتفاع كميات الإنتاج المحلي من النفط الخام -بعد استعادة السيطرة على جزء كبير من حقول المنطقة الشرقية مطلع العام الحالي، لتصل وسطياً إلى أكثر من 81 ألف برميل يومياً-، ومبيعات المشتقّات النفطية التي تتجاوز قيمتها التقديرية 4 ملايين دولار يومياً؛ والأهمّ، إيرادات المنح النفطية والغازية المقدّمة من ثلاث دول على الأقلّ، هي روسيا والسعودية وقطر.
فمثلاً، قدّمت السعودية، العام الماضي، منحة نفطية قوامها مليون و650 ألف برميل، تصل قيمتها إلى أكثر من 114 مليون دولار -بحسب متوسط سعر بيع برميل النفط الخام لشركة «أرامكو»، والمقدّر بنحو 69.2 دولار في العام الماضي-، وجرى تكريرها في مصفاتَي حمص وبانياس وحراقات الشمال، ثمّ بيعت مشتقّاتها للسوريين بالأسعار العالمية. وينسحب الأمر نفسه على توريدات الغاز الأذربيجاني التي تموّلها قطر بمنحة خاصة، ووصلت قيمتها في العام الماضي إلى نحو 120 مليون دولار، وإلى نحو 200 مليون دولار خلال النصف الأول من العام الحالي.
وما يدفع إلى إثارة هذه التساؤلات بقوة، أن «الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش» اكتشفت، قبل أيام قليلة، تجاوزات مالية في بعض الحقول النفطية، قُدّرت قيمتها بنحو 28 مليون دولار، فضلاً عن خسائر كبيرة ناجمة عن استبعاد الكفاءات والخبرات، والاستعانة بكوادر غير مؤهّلة وبشركات خاصة أُسّست حديثاً، وهو ما يشير إلى ضعف عمليات الحوكمة والشفافية وانتشار الفساد والمحسوبيات داخل هذا القطاع.
وحتى لو كانت الإيرادات النفطية الواردة في التقييم النصفي للموازنة، والبالغة نحو 601 مليون دولار، هي حصيلة إيرادات ستة أشهر من عمل القطاع، وليس فقط إيرادات شهرَي أيار وحزيران، فإن التساؤل يظلّ قائماً بشأن مصير إيرادات العام الماضي وأوجه إنفاقها. كما تَبرز هنا ضرورة تفصيل هذه الإيرادات لجهة حصة الدولة من عقود استثمار حقول النفط والثروة المعدنية، والفائض المتاح لدى مؤسّسات القطاع وشركاته، ومبيعات المشتقات النفطية، وغير ذلك.




