
تجاوزت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان إطار العلاقات العسكرية، لتندرج في سياق إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا، يتصل بإعادة رسم التوازنات في الشرق الأوسط بعد مرحلة من الحروب والتسويات المتسارعة. فالزيارة جاءت في توقيت حساس يشهد حراكًا ديبلوماسيًا مكثفًا حول مستقبل عدد من الملفات الإقليمية، من بينها الوضع اللبناني وترتيبات الأمن على الحدود الجنوبية ودور المؤسسات الشرعية في المرحلة المقبلة.
تكتسب الزيارة أهمية إضافية كونها جاءت بدعوة من قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي تحوّل في الأشهر الأخيرة إلى أحد أبرز الوجوه المنخرطة في الاتصالات الإقليمية المرتبطة بالتهدئة وإدارة الأزمات. وفي ظل الحديث المتزايد عن محاولات باكستانية للعب أدوار وساطة أو تسهيل تواصل بين أطراف إقليمية ودولية متخاصمة، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت الزيارة تحمل رسائل سياسية تتجاوز البعد العسكري المباشر.
من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الزيارة بوصفها جزءًا من عملية استطلاع واسعة النطاق تجريها المؤسسات الدولية والإقليمية المعنية بلبنان. فالجيش اللبناني بات يُنظر إليه باعتباره الركيزة الأساسية لأي ترتيبات أمنية مستقبلية، سواء على مستوى تثبيت الاستقرار الداخلي أو تنفيذ التفاهمات الدولية المرتبطة بالحدود الجنوبية. ومن هنا، فإن أي نقاش حول مستقبل لبنان الأمني يمر حتمًا عبر المؤسسة العسكرية ودورها وقدراتها واحتياجاتها.
كما أن اختيار باكستان تحديدًا ليس تفصيلًا. فإسلام آباد تحتفظ بعلاقات متوازنة نسبيًا مع عدد من القوى الإقليمية والدولية المتنافسة، ما يمنحها هامش حركة أوسع من دول أخرى تصطف بوضوح ضمن محاور محددة. وفي حال كانت هناك بالفعل مشاورات غير معلنة حول مرحلة ما بعد التصعيد الإقليمي، فإن باكستان قد تشكل قناة مناسبة لتبادل الرسائل واستكشاف المواقف بعيدًا عن الأضواء.
داخليًا، تأتي الزيارة في وقت يواجه فيه لبنان تحديات مرتبطة بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز دورها في إدارة الملفات السيادية. لذلك تُفهم الزيارة أيضًا على أنها جزء من جهود الجيش لتوسيع شبكة الدعم السياسي والعسكري الدولي، في ظل إدراك متزايد لدى العواصم المؤثرة بأن نجاح أي تسوية لبنانية مستدامة يتطلب تعزيز قدرات المؤسسات الشرعية.
بذلك، تبدو زيارة هيكل إلى باكستان أقرب إلى محطة ضمن مسار ديبلوماسي – أمني أوسع، يهدف إلى استشراف المرحلة المقبلة أكثر مما يهدف إلى تحقيق نتائج فورية. إلى جانب أن لبنان بدأ يدخل تدريجيًا في دائرة المشاورات الإقليمية المتعلقة بترتيبات ما بعد الأزمات، وأن المؤسسة العسكرية باتت أحد أبرز العناوين التي تُبنى عليها التصوّرات الدولية لمستقبل الاستقرار في لبنان.




