اخبار محليةالرئيسية

الرد الإيراني يكشف تمسك طهران بمبدأ التطبيق الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان

بدأت تظهر مؤشرات إضافية على اهتزاز الصيغة الأصلية لاتفاق واشنطن. فبعد أشهر من التركيز على ما هو مطلوب من حزب الله والدولة اللبنانية، برزت تصريحات ومواقف أميركية تتحدث عن الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق الأسرى اللبنانيين، بوصفها عناصر أساسية في أي تسوية مستقرة.

وقد اكتسب كلام السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى بعد لقائه الرئيس نبيه بري أهمية خاصة لأنه عكس انتقالاً تدريجياً من الحديث عن التزامات أحادية الجانب إلى الحديث عن تسوية متوازنة تتضمن موجبات إسرائيلية واضحة. وتقرأ أوساط سياسية هذه التطورات باعتبارها انعكاساً مباشراً للمسار التفاوضي الأميركي الإيراني؛ لأن طهران لم تعد تتعامل مع لبنان كملف منفصل عن التفاوض، بل كجزء من البيئة الإقليمية التي يجب أن يشملها أي اتفاق مقبل. ولذلك تتزايد المؤشرات إلى أن وقف الحرب على لبنان، بما في ذلك الجنوب والانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين والأسرى، أصبح جزءاً من النقاش الدائر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران.
لهذا يمكن القول إن الخلاصة لا تتمثل في عدد الصواريخ أو الغارات، بل في ثلاث حقائق سياسية كبرى: الأولى أن إيران نجحت في إسقاط معادلة «الضاحية مقابل الشمال» واستبدالها بمعادلة ردع معاكسة. والثانية أن ترامب أظهر بوضوح أنه لا يريد الانجرار إلى حرب جديدة مع إيران، حتى لو أرادت «إسرائيل» ذلك. والثالثة أن اتفاق واشنطن الذي قام على تحميل لبنان وحده أعباء التسوية بموافقة الرئيسين جوزف عون ونواف سلام، بدأ يترنح لمصلحة مقاربة جديدة تتحدث عن التزامات متبادلة تحت عباءة رئيس مجلس النواب نبيه بري، في لحظة يبدو فيها أن طريق الاتفاق الأميركي الإيراني بات أقرب من طريق الحرب التي تراهن عليها تل أبيب.

وفي أولى الثمار السياسية والتفاوضية للضربة الإيرانية العسكرية لأهداف استراتيجية إسرائيلية في شمال فلسطين المحتلة رداً على استهداف الاحتلال الضاحية الجنوبية لبيروت، حطّ السفير الأميركي ميشال عيسى في المقار الرئاسية وجال على الرؤساء الثلاثة، وأبرز محطاته والتفاوض الجدي والمواقف الأبرز كانت في عين التينة. ووفق معلومات “البناء” فقد تمنّى السفير الأميركي على الرئيس بري المساعدة في تسهيل مسار مفاوضات واشنطن وإبداء ملاحظاته عليها للعمل على حلها للتوصل إلى حلّ عملي وجدي لوقف إطلاق النار وإرساء الاستقرار على الحدود، لكن بري طلب من السفير الأميركي تفسير عدد من نقاط الاتفاق لا سيما تجاهله لوقف كامل لإطلاق النار وربطه بجملة شروط تعجيزية، وعدم ذكر مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة وتحديد مهلة، لذلك كما نص اتفاق 27 تشرين 2024، إضافة إلى عودة النازحين، ما دفع بالسفير الأميركي إلى تفسير الاتفاق في تصريحاته بعد لقاء بري، بما يضمن وقفاً كاملاً لإطلاق النار والانسحاب الكامل وعودة الجنوبيين إلى قراهم، فيما وعد الرئيس بري السفير الأميركي الاستمرار في مساعيه للتوصل إلى حلّ يحفظ المصالح والسيادة اللبنانية انطلاقاً من تعليقه الأول على الاتفاق أي خروج حزب الله من جنوب الليطاني مقابل انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل من الأراضي المحتلة إلى الخط الأزرق. ورجحت مصادر “البناء” أن تكون تصريحات عيسى بعد اللقاء جاءت بطلب مباشر من الرئيس بري.
وأكد عيسى في تصريح بعد لقائه الرئيس برّي، أن كل ما يحصل في واشنطن هو لصالح لبنان، مشيراً إلى أن ”إسرائيل” ستنسحب من لبنان وستعيد الأراضي والأسرى”، موضحاً أن “المنطقة التجريبية ستكون مفتوحة لأبنائها سيعودون إليها وستكون تحت حماية الجيش ولن تتعرّض للقصف الإسرائيلي. هذه النقطة لم تكن واضحة إذ لا معنى أن يذهب الجيش إليها ولا يكون فيها ناس يهمّنا أن يعود الأهالي إليها ويبدأ الإعمار ويشقوا الطرقات والكهرباء وتكون نموذجاً”.
وحول استهداف الضاحية الجنوبية أمس الأول، لفت عيسى إلى أنه “جاء رداً على استهداف الحزب”. أما بالنسبة إلى تجريف وهدم القرى وموقف الإدارة الأميركية منه، قال: “أنتم تعرفون ماذا نفعل في واشنطن ولماذا نجتمع كلّ أسبوع أو أسبوعين ونعرف ماذا يحصل في الجنوب، كل ما نريده هو أن يتوقف ما يحصل واستطعنا أن نحصل على وقف لإطلاق النار وعليه على كل طرف أن يعرف ما هو مطلوب منه، وعندها تتوقف الضربات”.
وفيما إذا كان قد أخذ تعهّداً من بري حول التزام حزب الله بوقف إطلاق النار، قال: “اسألوا رئيس مجلس النواب، الرئيس بري أعطاني ردّاً وسنرى لاحقاً، أهمّ شيء يجب أن تعرفوه أننا نحاول قدر المستطاع وقف إطلاق النار والرئيس ترامب يومياً يتكلم عن لبنان، وذلك يعني أنّ أمر لبنان يهمّنا وأن يعود بلداً مستقلاً…”
ولفتت جهات معنية ومطلعة على موقف محور المقاومة لـ”البناء” إلى أنّ الردّ الإيراني أكد التزام طهران الكامل والدائم بالعمل وبكلّ الوسائل لتحقيق وقف إطلاق النار في لبنان والتمسك بشموله في الاتفاق الإيراني – الأميركي وفق مسار إسلام آباد، وأن طهران لم تكتفِ فقط بالوفاء بوعدها بدعم المقاومة، بل فرضت وقائع سياسية وميدانية جديدة سيكون لها تأثير مباشر على مجمل برنامج التفاوض”.
وأوضحت الجهات أنّ “العدوان الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت جاء في سياق اختبار أميركي – إسرائيلي مشترك لقياس حدود الموقف الإيراني واستعداد طهران للذهاب إلى مواجهة أوسع، في ظلّ اعتقاد ساد لدى الإدارة الأميركية بأن إيران لا ترغب في الحرب مهما بلغت الضغوط الممارسة عليها”.
وأضافت: “أولى النتائج المباشرة لهذا التحوّل تمثلت في كلام السفير الأميركي في بيروت عن أنّ الاتفاق المقترح مع “إسرائيل” يشمل عودة النازحين، وهو أمر لم يكن مطروحاً في أيّ من أوراق التفاوض الأميركية السابقة. بل إنّ وزير الدفاع الإسرائيلي كان قد أعلن صراحة، بعد بيان واشنطن، أنّ قوات الاحتلال ستبقى في الجنوب ولن تسمح بعودة السكان”. كما أنّ الولايات المتحدة وفق الجهات أقرّت ضمناً بأنّ استخدام الضاحية الجنوبية كورقة ضغط على بيئة المقاومة لم يعد خياراً صالحاً أو منتجاً، بعدما أعادت عمليات إيران في شمال فلسطين ملف الطوارئ والنزوح في الشمال إلى الواجهة، إلى جانب تعطيل الحياة المدنية هناك.
وشدّدت الجهات على أنّ “الهدف الإيراني لا يقتصر على تثبيت معادلة حماية الضاحية فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة فرض معادلة أشمل ترتبط بوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على القرى والبلدات الجنوبية، ما يمثل تطوراً نوعياً في مقاربة طهران للملف اللبناني”. ويكشف الرد الإيراني بحسب الجهات “عن تمسك طهران بمبدأ التطبيق الكامل والشامل لوقف إطلاق النار في لبنان، وعدم حصره بمنع العمليات العسكرية الكبرى فقط، بل توسيعه ليشمل وقف الخروقات والاعتداءات اليومية التي تستهدف جنوب لبنان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى