اخبار محلية

السفير غملوش: إذا أردنا بناء الدولة… فلنوقف التحريض أولًا

السفير حسين غملوش - رئيس جمعية تنمية السلام العالمي

في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها لبنان، ومع استمرار التوتر في الجنوب وما يرافقه من نزوح ومعاناة إنسانية، لم يعد مقبولًا أن يبقى الخطاب السياسي والإعلامي على حاله.

إن ما نعيشه اليوم ليس أزمة طارئة،
بل نتيجة مسار طويل من سوء إدارة التنوع، والانقسام، وغياب القرار الوطني الجامع.

من يقرأ تاريخ لبنان منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، يصل إلى حقيقة لا تحتمل التأويل:
أزمة هذا الوطن لم تكن يومًا في تنوّعه… بل في طريقة إدارة هذا التنوّع.

لبنان مرّ بكل المراحل:
من العهد العثماني، إلى المتصرفية، إلى الانتداب الفرنسي، إلى الاستقلال،
ثم الأزمات السياسية، فالدخول الفلسطيني، فالحرب الأهلية، فالاحتلال، فـالطائف،
ثم الانهيار الاقتصادي والمالي… وصولًا إلى الحرب الأخيرة وما بعدها.

وفي كل مرة، كانت المشكلة نفسها تعود—ولو تغيّرت العناوين:

عندما يغيب الخطاب الوطني… يحضر الخطاب الطائفي.
وعندما تضعف الدولة… تقوى العصبيات.
وعندما يتحول التحريض إلى أداة سياسية… يدفع الشعب الثمن.

لبنان ليس بلدًا عاديًا.
هو مساحة تنوّع نادرة، كان يمكن أن تكون مصدر قوته الأكبر،
لكن ما حدث هو العكس: تحوّل هذا التنوع، بفعل سوء الإدارة، إلى أداة صراع على السلطة.

إن الإساءة إلى المراجع الدينية—مسيحية كانت أم إسلامية—مرفوضة بشكل قاطع،
وتمسّ مباشرة بالسلم الأهلي.
كما أن التحريض الطائفي، من أي جهة، وبأي وسيلة، هو تهديد مباشر لوحدة لبنان،
ويجب أن يتوقف فورًا.

واليوم، ومع ما يعيشه الجنوب اللبناني،
تتضاعف المسؤولية الوطنية.

الحياة موقف…
والموقف اليوم هو موقف وطني جامع لا يحتمل التردد.

الموقف اليوم هو التكاتف مع أبناء الجنوب،
الذين حملوا المعاناة لسنوات طويلة—وفي كثير من الأحيان وحدهم—
منذ قيام دولة لبنان الكبير وحتى اليوم.

هؤلاء لم يكونوا يومًا خارج الوطن،
بل كانوا في خطه الأمامي،
ودفعوا الثمن من أرضهم وبيوتهم وأمنهم واستقرارهم.

ومن غير المقبول أن تبقى التضحيات في جهة،
والخطاب في جهة أخرى.

المسؤولية اليوم لم تعد مسؤولية منطقة…
بل مسؤولية وطن.

هذه الأرض… لبنان.
وهؤلاء الناس… لبنانيون.
وهذه التضحيات… تضحيات أبناء وطن واحد.

نؤكد بوضوح:

لا يجوز إهانة النازحين أو تحميلهم مسؤولية ما يجري
كرامة النازحين من كرامة لبنان
أي خطاب مسيء لهم هو مسيء للوطن بأكمله

كما أن أهل الجنوب—وسائر المناطق التي دفعت أثمان الحروب—
ليسوا طرفًا منفصلًا، بل في صلب هذا الوطن،
والواجب الوطني يفرض الوقوف معهم لا الانقسام عليهم.

إذا أردنا فعلًا بناء الدولة،
فعلينا أن نبدأ من الأساس:

احترام الإنسان… أولًا.

أيًّا كان موقعه،
أيًّا كانت منطقته،
أيًّا كانت طائفته.

الدولة لا تُبنى بخطاب ديني متشنج،
ولا بتحريض الشارع،
بل تُبنى على قاعدة واضحة:

حقوق متساوية… وواجبات متساوية.

دولة تعطي كل مواطن حقه،
وتطلب من كل مواطن واجبه،
من دون تمييز… ومن دون استثناء.

الدولة تُبنى بالعدالة بين المناطق،
وبالخدمات المتوازنة،
وبالشفافية أمام الشعب،
ومن خلال ممثليه في مجلس النواب،
وبالمحاسبة الصارمة لكل خطاب تحريضي—مهما كان مصدره.

لقد دفع اللبنانيون ثمن الحروب والانقسامات غاليًا،
ولم يعد هناك مجال لتكرار الأخطاء نفسها.

قال النبي عيسى عليه السلام: ليس من الحكمة أن يكرر الإنسان خطأه، فالقلب المؤمن يتعلّم، والعاقل من اعتبر بما مضى ولم يعد إلى موضع الأذى.

وكما قال النبي محمد (ص):
المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين.

بناءً عليه، ندعو إلى:

وقف التحريض فورًا
احترام المراجع الدينية كافة
حماية كرامة النازحين
الوقوف إلى جانب أبناء الجنوب وكل المناطق المتضررة
اعتماد خطاب وطني جامع يرتكز على الدولة لا على الطوائف

لأن لبنان لا يُبنى بالشعارات… بل بالعدالة.
ولا يُحمى بالانقسام… بل بوحدة القرار.
ولا يستمر بالسلطة… بل بثقة الناس.

لبنان ليس ساحة… بل دولة يجب أن تكون.
وليس مشروع نزاع… بل وطن نهائي لجميع أبنائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى