اخبار محليةالرئيسية

آمال التي صارت في الجنوب دحنوناً

آية فاعور - الاخبار

أسبوع مرّ على واحدة من أشنع جرائم الاغتيال التي نفذها العدو الاسرائيلي بحق كلّ من يقول في وجهه «لا». آمال خليل، إسم صدح به العالم أجمع، واختصر معان كثيرة، أولها الشجاعة والمقاومة، وليس آخرها اللباقة والرّقة.

عرفت آمال منذ عام 2022، حين قدمتُ إلى «الأخبار» كموظفة جديدة. بدأ تواصلنا الفعلي في 25 أيار عام 2023، ومع بدء معركة إسناد غزة التي عرفت بـ«أولى البأس»، بات تواصلنا شبه يومي، حينها بدأت آمال بإرسال مقاطعها المصورة في الجنوب مع أبناء القرى الصامدين لنشرها على منصات الجريدة، توثّق صبرهم وإيمانهم، وتحفظ دماء الشهداء عبر تغطية تشييعاتهم، فتروي بقلمها حكايات الأرض وأهلها.

آمال التي تكبرني في العمر ثلاث عشرة سنة، وعلى الرغم من خبرتها الصحافية الطويلة كانت حين تحدثني في العمل طالبة مني أمرًا ما لا يخلو طلبها من المودة والاحترام، تتكلم وصوتها فيه الكثير من السعي والجدّ والعجل، تماما كما كانت تمرّ في أروقة الجريدة مسرعة تلقى علينا السلام والقبلات وترحل على عجل نحو مسقط قلبها وبوصلتها الأولى، الجنوب.

مسيرة آمال الصحافية تكبرني بسنوات كثيرة، ولكن سأسمح لنفسي عبر هذه السطور من تدوين بعض خصالها المهنية التي دائما ما كانت تلفتني. إلى جانب لباقتها في الحديث والتعامل، كنت أرى فيها الصحافية الشجاعة والمجدّة التي تمكنت بمعداتها البسيطة (تلفون وميكروفون) من إعداد مواد شبه جاهزة للنشر عل منصات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالجريدة.

أعجبتني مقاطعها لأنها تصوّر الناس وحياتهم، تحتكّ بهم عن قرب حيث يتمحورعملها في الأرض وعليها، ولعل هذا النمط من أكثر الانماط الصحافية الذي رغبت بممارسته دوما في المجال الصحافي. كانت آمال السباقة في إرسال العواجل الدقيقة على مجموعتنا قبيل نشرها، حتى أصبحت «مراسلة الأخبار» الأولى من الجنوب، ومصدرنا الأول لمعرفة ما يجري هناك.

آه تذكرت،

آمال،

أريد أن أخبرك شيئا،

البارحة وصلني خبر عن غارة للعدو في الكفور، تعرفين القرية جيدًا أليس كذلك؟ وتعرفين أنّ لي أقارب هناك؟

فور سماعي النبأ سارعت لأتصفح مجموعة العواجل الخاصة بنا، والتي كنتِ سيدتها، ربما انتظرت أن أرى اسمك يرسل إلينا تفاصيل الغارة هناك، لكن، سرعان ما تذكرت أنّك قضيت شهيدة شاهدة على وحشية العدو وإجرامه يوم الأربعاء الأسود.

لن أكتب كثيرا عن عملية الاغتيال الممنهجة التي طالتك، ولا سيما أن كثرا تحدثوا عن تفاصيلها، ولن أحكي كيف أنّ ساعات الانتظار السبع كانت ثقيلة على كل من أحبّك وعرفك، سأكتب عن آمال التي أحببتها وأحبّتها الحياة كذلك، عن أناقتها وخفتها، عن الورود التي تطايرت من حقول الجنوب واستقرت على أزيائها.

سأحكي عن فستانها الأحمر، ذاك الذي اختارته يوم احتفالنا بعيد الجريدة الـ 17، ليكون متناسقا مع الخلفية «قصدت ألبس أحمر عشان الخلفية». لم أذكر يومًا آمال إلا وكان هندامها متناسقا وأنيقا من شعرها الناعم المنسدل بخجل فوق وجهها الرقيق، إلى الشّال الذي عانق جيدها بلطف، وصولا إلى ثيابها الراقية بالألوان والمظهر. والجميل بعد، وسط هذا الكم من الأناقة، ابتسامة حُلوة مع صوت دافئ يلقى السلام والحب على كل من يسمعه قبل أن يمضي.

آمال، هذه الصورة التي أريدها أن تبقى راسخة عنك في ذهني، لذا كلّما اجتاحتني رواية اللحظات الأخيرة وماذا جرى عليك، سأستحضر وجه آمال الضاحك المستبشر كعادته، وورودها المفعمة بالحياة.

سأراك يا ابنة الجنوب في انتصارنا القادم حتمّا،

وحين أعود إلى قريتي ميس الجبل التي تحبينها كثيراً،

سأراك في بيتنا الذي سنعيد إعماره، وفي شجر الزيتون الذي سنزرعه في كل قرانا مجدداً،

سأراكِ في ربيع الجنوب ودحنونه الذي ينبت كل عامٍ ليخبرنا أنّ العواصف لا تدوم وبأنّ الورد لا محال سيبصر النور.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى