
كفى يعني كفى!
عبارة كان يُفترض أن تقولها أميركا لإسرائيل منذ زمن طويل. لكن ليس بالأمر السهل، أن تخرج هذه الكلمات من فم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو يعلن عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان. كان ترامب، يعطي الإشارة إلى أن إدارته، تعتقد أنه آن الأوان لأن يتوقف كل أنواع القصف الإسرائيلي على لبنان. والرئيس الأميركي ليس جمعية خيرية، ولا هو قلق كثيراً على اللبنانيين، مواطنين كانوا أم مقاومين، لكنه، أدرك بعد «ورطة» إيران، أن للقوة حدوداً، وأنّه آن الأوان لأن يقول هو لإسرائيل ما عليها أن تقوم به، لا أن يظهر هو بمظهر أسير السياسات الإسرائيلية.
في واشنطن، يقال الكثير من الكلام هذه الأيام. ثمّة أمور تحصل خلال الأيام الأخيرة، تشي بأن العالم مقبل على انقلاب كبير. طبعاً، كل عاقل لا يمكنه أن يكتفي بهذا القدر الكبير من الكلام، ولا يمكن لقوى المقاومة بقيادة إيران، أن تبقى مطمئنة حتى يُعلن رسمياً عن انتهاء حالة الحرب، ويحصل الانسحاب العسكري الأميركي من المنطقة، والانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان.
لكن ما يصل من العاصمة الأميركية، يدعو إلى التأمّل قليلاً، ومِن المنقول خلال الساعات الماضية كلامٌ مثل: يمكننا أن نبني شراكة عمل مع إيران. شركات النفط الكبرى بدأت تناقش مع مسؤولين في البيت الأبيض إمكانية الدخول في مباحثات مع السلطات الإيرانية لأجل تطوير صناعة النفط فيها. وشركة صناعة الطائرات «بوينغ» تراسل الإدارة الأميركية، لتسأل عمّا إذا كان بمقدورها عقد صفقة كبرى مع إيران لتطوير أسطولها الجوي المدني، وهي تقبل أن تتقاضى البدلات من الأموال الإيرانية المحجوزة في الولايات المتحدة. وفي مكان آخر، يتحدّث الأميركيون، عن إمكانية حصول تفاهم جديد مع إيران بشأن الوضع في العراق ولبنان… واليمن أيضاً!
في الساعات المقبلة، سوف يتقرّر موعد الجلسة المقبلة بين إيران والولايات المتحدة. وهناك مؤشرات إلى احتمال انعقادها الأحد والإثنين في العاصمة الباكستانية. وإذا ما تمّ الاتفاق، فإن الرئيس الأميركي مستعدّ للسفر إلى إسلام آباد الثلاثاء لتوقيع الاتفاق إن حضر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، علماً أن ترامب، يريد من الزيارة «ردّ الجميل» إلى حليفه الباكستاني، وإبعاده أكثر عن الصين.
في إسرائيل، لن تنفع كل البيانات الصادرة عن الخارجية الأميركية، ولا عن مراكز الأبحاث في معالجة الانكسار الكبير الذي أصاب مشروع بنيامين نتنياهو. لقد اكتشف الرجل سريعاً، أنه من ذلك الصنف الذي يمكنه أن يكذب على العالم كلّه لبعض الوقت، لكنه لا يقدر على أن يكذب على العالم كلّه كلَّ الوقت. والاتفاق الأميركي – الإيراني إن حصل وفق ما يُسرّب، سوف يكون له أثره الكبير على مشروع التسوية الجديدة في منطقة غرب آسيا. وسوف تجد إسرائيل نفسها أمام استحقاقات داهمة ومن نوع جديد، ولذلك، فإن الجميع يسأل عن العدو الجديد الذي سيسمّيه نتنياهو حتى يبقى كيانه وجيشه في حالة الحرب المفتوحة.
الأخبار من واشنطن تبدو غريبة في تحوّلاتها، وترامب مستعدّ للقاء بزشكيان الثلاثاء إن تمّ الاتفاق مع إيران
أمّا عندنا في لبنان، فالأمور لن تكون وتيرتها أقل سرعة من المنطقة. أمس، انفجرت عبوة ناسفة بعدد من جنود العدو. لم يتم تفجير العبوة عن بعد. لقد كانت شركاً مُعداً مُسبقاً من قبل المقاومين. لكنّ إسرائيل، أرادت اعتباره عملية نفّذها حزب الله عن سابق تصوّر وتصميم، وعدّها خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وبناءً عليه، قرّرت الرد عبر عملية اغتيال استهدفت أحد اللبنانيين قرب بيت ياحون، علماً أن التبريرات التي نُقلت إلى قوات «اليونيفل»، تضمّنت إشارة إلى أن المُستهدف كان يحاول الوصول إلى موقع تتواجد فيه القوات الإسرائيلية.
ما حصل، لن يكون حادثاً عابراً، ليس لأن الجريمة كبيرة فحسب، بل لأن المقاومة معنية بأن يفهم العدو، بأنه في حال كان يعتقد أنه يمكن له العودة إلى ما قبل 2 آذار، فربما عليه انتظار الردود التي تجعله يفهم بأنه خسر الحرب، مهما طال احتلاله للأرض، لأنه متى ما تأخّر في الانسحاب، سوف يسمع في وقت ليس ببعيد، انطلاق عمليات التحرير من قبل حزب الله وربما غيره من القوى المعنية بالمقاومة. وفي هذه الحالة، لا يمكن للعدو أن يفترض أنه يقدر على ضرب القرى اللبنانية دون ردّ، وسوف يكون مضطراً أن يقدّم الآن، إجابة واضحة لكل المستوطنين في شمال فلسطين المحتلة، الذين سيتحوّلون خلال ساعات إلى أهداف للرماية.
حتى الأمس، كانت المقاومة قد حصدت الكثير نتيجة صمودها، والقتال الأسطوري للمقاومين، وهي استعادت ليس ثقة ناسها التي لم تفقدها أصلاً، بل استعادت عنصر الهيبة عند العدو، وهو أهم ما يمكن تحقيقه، حتى ولو كان في الداخل اللبناني، من أنصار للعدو، يريدون له العودة إلى الحرب وعدم التوقف حتى القضاء على حزب الله وعلى ناسه وأهله، وليس على مقاومته وسلاحه فقط.
لكنّ الحصاد الفعلي، يتعلّق بمستقبل التوازن السياسي الذي يقوم عليه وضع الحكم في لبنان. وإذا كان الرئيس جوزيف عون يعتقد أن «الإخراج الأميركي لوقف إطلاق النار» سوف يمنحه الشرعية للذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع العدو، حاملاً المزيد من التنازلات، فهذا يعني أنه ومن حوله، لم يفهموا درس «العصف المأكول»، وهو درس يتوجّب على الآخرين هضمه أيضاً، خصوصاً رئيسَ الحكومة نواف سلام وعدداً كبيراً من الوزراء معه.
ذلك أن سلام الذي يعتقد أن الحاجة إليه ستبقى قائمة إلى أبد الآبدين، ربما تكون الأخبار قد وصلته، عن الحوار الذي بدأه الرئيس عون نفسه، مع السعودية مُمثّلة بالأمير يزيد بن فرحان من جهة، ومع رئيس مجلس النواب نبيه بري من جهة ثانية، ومع آخرين، ربما لا يريد الرئيس عون كشف هويتهم بعد. وعنوان البحث: كيف ننجز تغييراً حكومياً… هل يحصل توافق داخلي يقضي بحجب الثقة ومن ثم الذهاب نحو استشارات جديدة لتسمية رئيس جديد للحكومة، أم يكون من خلال قانون مُعجّل مُكرّر يُقِرّه مجلس النواب، ويقضي بتقديم موعد الانتخابات النيابية إلى منتصف الصيف المقبل، ما يقود إلى استقالة الحكومة من تلقاء نفسها؟
لكنّ الأهم في النقاش، أن عون، الذي سيتلمّس يوماً بعد يوم، النتائج الإضافية لما حصل ويحصل في لبنان والمنطقة، لا يزال هو الآخر، ينتظر النتائج النهائية للمفاوضات الإيرانية – الأميركية. وربما يوجد من يُسمِعُه كلاماً عن احتمال كبير لعودة الحرب، ولقلب الطاولة من جديد على إيران وعلى حزب الله في لبنان.
لا تبدو السعودية بعيدة عن النقاش حول مستقبل الحكومة، وبري يطرح مجموعة من المواصفات تشبه مرشحاً واحداً اسمه نجيب ميقاتي
حتى لو حصل ذلك، فإن عون، يبادر الآن، إلى بناء «استراتيجية الخروج» من مرحلة «ما بعد حرب عام 2024»، وهو لذلك، يستعجل إطلاق المواصفات على الشخصية التي تناسب الحكومة الجديدة. وهو ما يقوله أيضاً الرئيس بري، الذي يعتبر أن حفظ السلم الأهلي في لبنان، وإدارة عاقلة لأي تفاوض مع إسرائيل، يتطلبان وجود حكومة يكون على رأسها شخص «ليس ضعيفاً ولا أن يكون صدامياً». وعندما يشرح زوار رئيس المجلس يأتي الجواب على الشكل الآتي:
نواف سلام، ضعيف جداً على مستويات عدة، خصوصاً على صعيد التمثيل السياسي والشعبي. وهو صدامي، مع كل الآخرين، ومع المقاومة بشكل خاص. بينما المرحلة تحتاج إلى شخص، لديه التمثيل السياسي والشعبي الواضح، ولا يكون صدامياً مع المقاومة. وعندما رُدّد أمامه اسم الوزير السابق فيصل كرامي، لم يعلّق بري سلباً أو إيجاباً، لكنه عاد ليقول إن المهم أن يكون الرئيس الجديد للحكومة، يملك أيضاً شبكة علاقات خارجية تساعد لبنان في المرحلة المقبلة… وظلّ زوار عين التينة يستمعون إلى مواصفات تلو مواصفات إلى أن خرج أحدهم قائلاً: يا جماعة، إنه يطالب بنجيب ميقاتي. والأخير يريده الرئيس عون أيضاً، كما لا يرفضه وليد جنبلاط ولا حزب الله، وحتى «القوات اللبنانية» تقبل به.
أمّا عن موقف السعودية من كل هذا البحث، فهو سيظل محل نقاش، ليس بانتظار أن يخرج موقف خاص من الرياض، بل ربما يطول الانتظار، لأن جدول الأعمال الفعلي لحكّام السعودية، لا يتّسع الآن لبند لبنان، بل تتقدّم عليه بنود كثيرة، أولها وأكثرها خطورة، ما يمكن لـ«أنصار الله» القيام به في اليمن ومحيطه، في حال لم يُرفع الحصار عن اليمن، ووقف الحرب السعودية -الأميركية – الإماراتية عليه… وهو ملف تحتاج السعودية إلى إنجازه، ليس إلى القطع الحربية الأميركية، ولا إلى طائرات إسرائيل، بل إلى جهد بسيط، يمكن لإيران القيام به، من أجل التوصل إلى صفقة عادلة مع «أنصار الله»…




