
منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تشهد الضاحية الجنوبية عودة تدريجية لأبنائها النازحين. ومع مرور الوقت، وتثبتت «الهدنة المهزوزة»، بنظر الأهالي، يرتفع عدد العائدين، وتكنس الضاحية ركامها، وتستعيد ضجيجها وزحمتها المعهودين. لتبقى عودة حذرة، جزئية، مؤقتة، بالتوازي مع خطة نزوح وضعتها العائلات «على الرف»، ولا تعرف متى يحين وقت سحبها. لذلك، ترك العائدون لأنفسهم مأوى في مناطق النزوح، وحافظوا على الشقة المستأجرة أو أبقوا على «حجز» الغرفة في مركز الإيواء.
«رح نّزّل الشتوي ونطلّع الصيفي»، لم تعد نكتة سمجة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، بقدر ما تنسجم مع واقع النازحين الذين خرجوا من منازلهم شتاءً، وجاءت الهدنة بعد 46 يوماً على أعتاب فصل الصيف، بمثابة «استراحة» تتيح تبديل الملابس الشتوية بأخرى صيفية. وهذه إشارة إلى عدم ثقتهم بالعدو الغادر الذي قد يخرق الهدنة في أي وقت، وثقتهم، في المقابل، بأن المقاومة سترد على أي خرق هذه المرة، ما ينجح فرضية العودة إلى نقطة الصفر. لذلك، ستعود منى، مثلاً، إلى منزلها في الضاحية وتترك الشقة في طريق الجديدة بأثاثها كاملاً، وستنقل محفظة الملابس الصيفية إليها، وبذلك، «يكون التهجير القادم أسرع وأكثر سلاسة»، على حد تعبيرها.
ولا يعني ذلك أن العائلات لا تستميت شوقاً لقراها وبلداتها وضاحيتها، وإنما تحسب الليالي من أجل العودة الآمنة والمستقرة إلى منزلها. وهناك من انتظروا عند مداخل الضاحية لتدخل الهدنة حيز التنفيذ عند الثانية عشرة في منتصف الليل، ولم يتحملوا دقائق نزوح إضافية. كحال سيرين التي قررت النوم في منزلها في برج البراجنة منذ تلك اللحظة، قبل «إطلاق النار بشكل كثيف ابتهاجاً، ما اضطرني إلى تأخير العودة حتى صباح الأمس، رغم أن المنزل غير مجهز للسكن لجهة انقطاع الكهرباء والمياه والإنترنت، وعدم توفير الطعام فيه، لكن كل ذلك غير مهم، ما يهم فقط أنني في منزلي»، كما تقول.
يتريث البعض في العودة إلى الضاحية لأسباب أمنية وحفاظاً على المأوى في مراكز النزوح
من جهته، يرفض كريم الحديث عن عودة مؤقتة إلى الضاحية، وأصرّ على زوجته أن تحمل كل الأغراض من منزل النزوح لأن «ما بدنا نتهجر مرة تانية». ثم أخذها في جولة بالسيارة، لتشاهد أجواء الفرح التي تعمّ كل مكان في الضاحية، حيث، وفوق الدمار، تشتري أم أعلام حزب الله لأولادها الثلاثة، وتخرج أناشيد النصر من الشوارع والأزقة الفرعية. وليؤكد لزوجته كيف تنبض الضاحية بالحياة من جديد، راح كريم يؤشر إلى «الشاب الذي يصلح شريط الكهرباء، وذاك الذي ينقل ألواح الزجاج، وآخر يفتح محل الألمنيوم لأن الناس لن تتأخر في ترميم منازلها المتضررة».
ووسط الأجواء الضبابية وحال عدم اليقين الأمنية، هناك من يتشبثون بخيار العودة إلى الضاحية، ربطاً بتعلقهم بهذه المنطقة، حتى باتوا يشعرون بـ«التغريبة» في أي مكان خارجها. ولهذا، تجدهم يرجعون إلى منازل متضررة، كحال مريم التي عادت مع عائلتها إلى منزلها في الحدث، رغم معرفتها أنه تعرض لتكسير زجاجه، مبررة أن «البقاء في منزل من دون نوافذ ولا أبواب داخل الضاحية أفضل من أي مكان خارجها».
من جهتها، تعبّر يارا عن الشعور «الرائع» الذي أحسته عندما دخلت منزلها المهجور في الأوزاعي منذ بدء الحرب. «كانت زينة رمضان لا تزال معلقة والعشاء الأخير في المطبخ كما تركته». ألقت هذه الشابة نظرة إلى حديقة المنزل، وإذا بأوراق الجوري والغاردينيا قد تفتحت، و«كأن الربيع يناديني»، تقول بحماسة. وضعت يارا كرسي في وسط الحديقة وراحت تتأمل منزلها، وهي تتنهد: «آخ منك يا إسرائيل».
ويبقى هناك من يترقبون الأوضاع، ولا يستعجلون العودة إلى الضاحية لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، خصوصاً بعدما دعا الثنائي الشيعي، حركة أمل وحزب الله، بيئة المقاومة إلى «التريث وعدم التوجه إلى الجنوب والبقاع والضاحية، إلى حين اتضاح مجريات الأمور بشكل تام». تستغل هذه العائلات مدة الهدوء لزيارة منازلها وحمل بعض الأغراض، بانتظار «بيان جديد لحزب الله يدعونا فيه للعودة حتى نرجع»، وفق لينا التي «لا تثق بالعدو الغادر».
وإلى جانب الأسباب الأمنية، يتريث النازحون في العودة تخوفاً من خسارة المأوى الذي حصلوا عليه «بشق الأنفس»، خصوصاً في مراكز الإيواء. آلاء مثلاً تجد أنه «من الصعب جداً أن تعود الحرب ولا نجد مكاناً نذهب إليه»، وهو ما حصل معها في هذه الحرب بحيث بقيت أياماً مع عائلتها في الشارع. ولا تخفي «الشوق الكبير للضاحية، فضلاً عن الحماس الذي تشعله مشاهد عودة الناس إلى منازلهم في الجنوب، مما يصعب علي البقاء أكثر، ويدفشني للعودة إلى ضاحيتي الحبيبة بأسرع وقت».




