مجتمع ومنوعات

الدكتور عباس أبو صالح في الذكرى السنوية لرحيله: مؤرخ الموحدين الدروز وصانع السردية التاريخية في لبنان الحديث

بقلم: د. هشام الأعور

في الخامس من حزيران تحلّ الذكرى السنوية لرحيل المؤرخ الكبير الدكتور عباس أبو صالح، أحد أبرز أعلام البحث التاريخي في لبنان والمشرق العربي، وأحد الذين أسهموا بعمق في إعادة قراءة تاريخ الموحدين الدروز ضمن سياقاته الوطنية والقومية الأوسع، بعيداً عن القراءات الجزئية أو السرديات المنغلقة. وفي هذه المناسبة، لا يُستعاد اسم الراحل بوصفه شخصية أكاديمية فحسب، بل بوصفه صاحب مشروع معرفي متكامل أسهم في صياغة وعي تاريخي جديد، وربط الذاكرة المحلية بمسار تشكّل الكيان اللبناني والدولة الحديثة.
لقد تجاوز الدكتور عباس أبو صالح مفهوم المؤرخ التقليدي الذي يكتفي بتوثيق الأحداث، إلى المؤرخ-المفكر الذي يتعامل مع التاريخ بوصفه بنية تفسيرية لفهم المجتمع وتحولاته العميقة. ومن هذا المنطلق، آمن بأن التاريخ ليس سرداً للماضي، بل أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وأن أي مشروع وطني لا يقوم على وعي تاريخي راسخ يظل عرضة للاهتزاز والتشظي. لذلك كرّس حياته للبحث في الوثائق والمصادر الأولية، ساعياً إلى بناء قراءة علمية دقيقة لتاريخ لبنان، وتاريخ الموحدين الدروز على وجه الخصوص، ضمن رؤية تحليلية متماسكة.
ينتمي الراحل إلى بلدة بتلون في قضاء الشوف، حيث تشكّل وعيه المبكر على حب المعرفة والتاريخ، قبل أن ينتقل إلى الحقل الأكاديمي الذي جعله واحداً من أبرز المرجعيات في الدراسات التاريخية الحديثة. وقد ساهم خلال مسيرته الأكاديمية، ولا سيما في الجامعة الأميركية في بيروت، في تكوين أجيال من الباحثين الذين تأثروا بمنهجه الصارم القائم على الدقة العلمية، والنقد المنهجي، والالتزام بالوثيقة التاريخية بوصفها أساس المعرفة.
امتاز إنتاجه العلمي بالابتعاد عن التسييس والانحيازات الضيقة، وبالاعتماد على قراءة نقدية متوازنة للتاريخ، تجمع بين التحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتربط الحدث بسياقه البنيوي العام. وقد جعل هذا المنهج من أعماله مراجع أساسية في الدراسات اللبنانية والعربية، نظراً لقدرته على تفكيك التعقيدات التاريخية دون الوقوع في التبسيط أو الإيديولوجيا.
وقد ترك الدكتور عباس أبو صالح إرثاً علمياً غنياً يتمثل في عدد كبير من الكتب والدراسات التي أصبحت جزءاً من المكتبة الأكاديمية اللبنانية والعربية، ومن أبرزها: تاريخ الموحدين الدروز السياسي في المشرق العربي، والتاريخ المعاصر للموحدين الدروز، والتاريخ السياسي للإمارة الشهابية، والأزمة اللبنانية عام 1958 في ضوء وثائق يكشف عنها لأول مرة. كما شمل إنتاجه العلمي أبحاثاً ودراسات باللغة الإنجليزية أسهمت في نقل جزء مهم من التاريخ اللبناني وتاريخ الموحدين الدروز إلى فضاء البحث الأكاديمي الدولي، ما عزز حضور هذا الإرث في الجامعات ومراكز الدراسات العالمية.
وتتجلى أهمية مشروعه التاريخي بشكل خاص في إعادة صياغة دراسة تاريخ الموحدين الدروز، إذ عمل على إخراجه من إطار الرواية الشفوية والانطباعات العامة، إلى فضاء البحث العلمي القائم على الوثيقة والمقارنة والتحليل النقدي. وبذلك، عمل على إدماج هذا التاريخ ضمن السياقات الوطنية والقومية التي أسهم الموحدون الدروز في صياغتها عبر مراحل تأسيس الكيان اللبناني وتطور الدولة الحديثة.
كما أن مقاربته لم تكن محصورة في إطار الهوية الطائفية أو المحلية، بل انطلقت من رؤية أوسع ترى في الموحدين الدروز أحد المكونات التاريخية الفاعلة في بناء التجربة اللبنانية، وفي تشكيل توازناتها السياسية والاجتماعية عبر مراحل مفصلية من تاريخ المشرق العربي. ومن هنا اكتسبت أعماله بعداً وطنياً يتجاوز حدود التوثيق إلى إعادة قراءة دور الجماعات التاريخية في بناء الدولة.
لقد أدرك الدكتور عباس أبو صالح مبكراً أن صون الهوية لا يتحقق عبر الخطاب الانفعالي أو الشعارات، بل عبر حماية الذاكرة التاريخية من التزييف وإعادة إنتاجها ضمن إطار علمي رصين. ومن هنا، يمكن النظر إلى مشروعه بوصفه مشروعاً معرفياً لحفظ السردية التاريخية للموحدين الدروز، وترسيخ حضورهم في الذاكرة الوطنية اللبنانية بوصفهم فاعلاً أساسياً في مسار بناء الدولة والمجتمع.
ورغم مرور السنوات على رحيله، ما زال حضوره العلمي حياً في الجامعات ومراكز البحث، من خلال مؤلفاته التي لا تزال تشكل مرجعاً أساسياً للباحثين والطلاب في لبنان والخارج. فالمؤرخ الحقيقي لا يُقاس أثره بزمن حياته، بل بامتداد تأثيره في الوعي العلمي للأجيال اللاحقة، وبقدرة أفكاره على الاستمرار والتجدد.
في هذه الذكرى، نستحضر الدكتور عباس أبو صالح بوصفه مؤرخاً للموحدين الدروز، وصانعاً لجزء مهم من السردية التاريخية اللبنانية الحديثة، وحارساً أميناً لذاكرة لا تنفصل عن الهوية الوطنية الجامعة. لقد ترك إرثاً علمياً يؤكد أن الكتابة التاريخية ليست عملاً توثيقياً فحسب، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية تجاه الحقيقة والإنسان والوطن.
رحم الله الدكتور عباس أبو صالح، وأبقى إرثه العلمي منارة للباحثين، ومرجعاً راسخاً في كتابة التاريخ اللبناني الحديث، وكل من يسعى إلى فهم الماضي بوصفه مدخلاً لفهم الحاضر وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى