
وبذلك، وبين خيار الحرب وويلاتها، أو الاستسلام وتبعاته، ثارت البيئة الحاضنة للمقاومة «ثورة من لن يخسر سوى القيد والخيمة»، بتوصيف جورج حبش، معلنةً أنها لا ترتضي عيشَ العبيد، فـ«إما حياة تسرّ الصديق، وإما ممات يغيظ العِدى»، بحسب أحد أبيات الشاعر الفلسطيني عبد الرحيم حمود.
اليوم، يتكوّن شكل من الإجماع لدى النازحين عن بيوتهم، أو الصامدين في بلداتهم، ومن أيّ منطقة كانوا، من قرى شمال نهر الليطاني أو جنوبه، من البقاع أو من الضاحية، بأنّ «هذه الحرب أسهل من حرب الـ66 يوماً، وأشرف من مرحلة وقف إطلاق النار التي استمرّت 15 شهراً».
هذه الحرب أسهل من حرب الـ 66 يوماً، وأشرف من مرحلة وقف إطلاق النار
في نقاش هذه العبارات، والتي تعبّر عن صمود بيئة المقاومة تحت التحدّيات المفروضة عليها، تبدو الأمور سوريالية، أو ربما غير واقعية، خاصةً إذا ما أُخذت في الحسبان الظروف الداخلية والخارجية المحيطة بهذه البيئة. فالحرب اليوم فرضت على الناس واقعاً يبدو أقسى من واقع حرب الـ66 يوماً، وعلى المستويات كافة، الاقتصادية والسياسية والإعلامية، وحتى النفسية.
داخلياً، الوضع أسوأ بكثير مما كان عليه عام 2024، منذ تاريخ التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، تسعى أطراف سياسية لبنانية إلى زيادة الاحتقان والدفع باتجاه الاقتتال الداخلي لزيادة الضغط على بيئة المقاومة، وربما التخلّص منها قتلاً أو تهجيراً. أما على مستوى التمثيل السياسي، فجاءت هذه الحرب، وعلى رأس الدولة سلطة سياسية معادية للمقاومة وبيئتها الحاضنة، لا تتوانى عن المتاجرة بحقوقها بعدما باعتها لـ15 شهراً أوهام السلم الموعود، بينما هي عاجزة عن حمايتها.
صبرنا 15 شهراً، يكفي
وعلى المستوى الإقليمي، تجددت الحرب بعد سلسلة نكسات أصابت محور المقاومة، على رأسها «سقوط سوريا» في مستنقع الدول المعادية للمقاومة، وانعكاس ذلك على الداخل اللبناني. وثانيها إعلان إسرائيل تحقيق هدفها في تفكيك وحدة الساحات. وآخرها تمكّن دولة الاحتلال من اغتيال السيد علي الخامنئي بما له من رمزية عند هذه البيئة.
أما عالمياً، فجاءت الحرب في ذروة موجة من الاستكبار الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية، والتي تصدر نفسها كقوة عظمى وحيدة في العالم، لا يقف في وجهها أحد، وإلا يلقى جزاء محور المقاومة، أو جزاء الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
إعلامياً، دأبت وسائل الإعلام المناهضة للمقاومة في هذه الفترة على التحريض على هذه البيئة وعلى مقاومتها وشيطنتهما. ورسمت صورة للمقاومة على أنّها معزولة، وناسها على أبواب الترحيل أو الإفناء مستقبلاً، في مقابل الزعم بأنّ «إسرائيل» قوة لا تُقهر، ويجب عقد اتفاق سلام معها لتجنيب لبنان ويلات الحروب.
هذه الحرب أسهل من حرب 66 يوماً وأشرف من مرحلة وقف إطلاق النار التي استمرّت 15 شهراً (مروان بو حيدر)
هذه الحرب أسهل من حرب 66 يوماً وأشرف من مرحلة وقف إطلاق النار التي استمرّت 15 شهراً (مروان بو حيدر)
أمام هذه الضغوطات كلّها وجد مجتمع المقاومة نفسه محاصراً أمام حرب بمثابة استحقاق وطني، كان يُفترض أن يكون جامعاً، ولكنّها حوصرت من الداخل والخارج. وما زاد الوضع سوءاً، هو الوضع المعيشي والاقتصادي الضاغط على أشخاص هم أصلاً على هامش الاقتصاد، ويعانون من واقع معيشي صعب وتضخم أسعار المعيشة. وإلى هذا المشهد تسبب النزوح بظهور حالات استغلال مورس ضدهم في اللحظة التي بدأت فيها هذه الحرب، إذ رفعت إيجارات الشقق- إن وُجدت – بشكل مهول مقارنة بالحرب الماضية.
معنويات البيئة الحاضنة «بالسما»
لماذا البقاء على مع المقاومة إذاً؟ الإجابة واحدة، «صبرنا 15 شهراً، يكفي»، في إشارة إلى قساوة ما مر به أبناء هذا المجتمع منذ وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024. على مدار 15 شهراً فجرت البيوت واستشهد 396 شخصاً جرّاء غارات المسيّرات، والاعتداءات الإسرائيلية، وجرح أكثر من ألف، ما ولّد فيهم غيظاً وحنقاً، وجعل من مرارة الحرب في أعينهم أعزّ وأهون بمئات المرات من الصبر على الذلّ.
أنا زغردت عندما تبنّت المقاومة عملية إطلاق الصواريخ، رغم أنّها كانت إشارة إلى عودة القصف والنزوح
يروي أحد الصامدين في البقاع أنّه «في أول لحظات، خرجت أصوات كثيرة تنتقد الصواريخ الستة، باستثنائنا، فرحنا، ورأينا فيها عزاً، وكلمة “لا” بوجه العالم المتآمر علينا، ونهايةً لأشهر الذل». وتقول زوجته «أنا زغردت عندما تبنّت المقاومة عملية الإطلاق، رغم أنّها كانت إشارة إلى عودة القصف والنزوح، إنّما كلّ الأثمان بسيطة أمام العودة إلى المشهد الذي سيطر في الأشهر الخمسة عشر الماضية».
ولكن ما جعل «المعنويات بالسماء»، كانت مفاجآت المقاومة. يقول علي سيف الدين، الصامد في الضاحية الجنوبية، «أنّنا توقعنا ترميم المقاومة لقدراتها وعودتها للقتال، إنّما من الخطوط الخلفية». والآن، يسأل سيف الدين، «هل تتخايلين ماذا يعني خروج الشباب من الحافة الأمامية؟»، ويجيب، «إذاً كلّ ما قاله العدو كذب».
وفضلاً عن القتال المفاجئ جنوباً، شكّلت عمليات التصدي للإنزالات وإفشالها بقاعاً، رافعةً للمعنويات، بالنسبة إليهم «المقاومة مستيقظة وتستبسل، وشعبها كذلك مستيقظ ويستبسل معها». وهكذا، «لم يعد أحد ينتظر هوكشتاين، أو الموفدين الدوليين، ليأتي إلينا بنتائج المفاوضات». اليوم «لا نريد مفاوضات، دعوا الميدان يفاوض».




