«الأبنية المُهدَّدة بالسقوط بالآلاف» صندوق لتمويل ترميم 105 مبانٍ في طرابلس؟
زينب حمود - الاخبار

حتى كتابة هذه السطور، كان البحث لا يزال مستمراً عن أليسار المير، تحت أنقاض المبنى السكني الذي انهار في منطقة القبة في طرابلس، فجر أول من أمس (انتُشل الأب مُتوفى وثلاثة أحياء جرحى من العائلة نفسها). وكانت العائلة قد أُنذرت قبل أربع وعشرين ساعة من الحادثة، بضرورة إخلاء البناء، لأنه مُهدّد بالانهيار. لكن يبدو أنها لم تكن تملك ترف إيجاد مأوى آخر، فلم تغادر منزلها.
واستهتار الدولة بأرواح الناس لا يقتصر على ترك العائلة في مبنى آيل للسقوط فحسب، بل ينسحب على العجز عن إنقاذها بعدما تهاوى المبنى، نظراً إلى «ضعف إمكانات الدفاع المدني في طرابلس، المتمثّل في النقص في الآليات والمعدّات اللازمة لرفع الأنقاض والبحث عن العالقين تحتها»، وفقاً لرئيس بلدية طرابلس عبد الحميد كريمة. لذا، تمّ استدعاء عناصر من الدفاع المدني في بيروت والبترون وفي مناطق أخرى محيطة. ومع أن احتمال وجود أحياء تحت الأنقاض يستدعي البحث بأدوات خفيفة لا تشكّل خطراً على حياتهم، لكن «حتى هذه الأدوات الخفيفة، بدائية لدينا»، يقول كريمة.
هذه الكارثة هزّت الطرابلسيين في القبة، باب التبانة، ضهر المغر، باب الرمل وأبي سمرا، وأثارت نقمتهم ومخاوفهم من أن يكونوا هم الضحايا اللاحقين، خاصةً أن بلدية طرابلس أعلنت في المسح الأخير بعد الهزات في شباط 2023 عن 105 مبانٍ مُهدّدة بالسقوط يجب إخلاؤها فوراً، تضاف إلى 600 مبنى بحاجة إلى ترميم ويُخشى من سقوطها. ورغم ذلك، لم يتم إجلاء العائلات منها وتأمين أماكن بديلة لها، ولا حتى البدء بصيانة وترميم المباني المتصدّعة. لذا، خرجت عائلات من منازلها في حالة ذعر، بعيد سقوط مبنى القبة ولجأت إلى أقاربها، فيما بقيت عائلات أخرى تواجه خطر الموت داخل أبنية مُهدّدة بالانهيار، في أي لحظة.
تفاؤل بجدّية حكومية
وإلى جانب «الهزة» الشعبية، حصلت «هزة» حكومية ورسمية، تُترجم في الاجتماع الذي سيجمع اليوم رئيس الحكومة نواف سلام ببلدية طرابلس والهيئة العليا للإغاثة ونقابة المهندسين وعدد من النواب، للتشاور في ملف الأبنية الآيلة للسقوط. وهذه «هزّة» روتينية تحصل بعد وقوع أي كارثة إنسانية، ثم تنتهي بانتهاء التغطية الإعلامية وحملات الاستنكار الواسعة. لكن، كريمة يبدو متفائلاً هذه المرّة من «جدّية الحكومة في إمساك الملف ووضعه على السكة الصحيحة».
ويُقسِّم الخطة التي سيطرحها في الاجتماع إلى شقين، الأول «يتعلق بدفع الهيئة العليا للإغاثة بدلات إيجار للعائلات في المباني الـ 105 المُهدّدة بالسقوط»، والثاني الذي يشدّد على ضرورة توازيه مع الأول، هو «الترميم بعد كشف الخبراء والمهندسين على المباني لتقدير الكلفة الفعلية، ومن ثم إنشاء صندوق لجمع المال». وبذلك، يقول كريمة إن «المشكلة تُحلّ من أساسها خلافاً لما كان يحصل سابقاً بعد كل كارثة مماثلة من صرف أموال على الإيواء وترك الأبنية على حالها».
انهيار الأبنية في طرابلس سببه الكثافة السكانية والتعدّيات وعدم الصيانة
اجتماع اليوم سينطلق من نتائج المسح الذي أجرته بلدية طرابلس، تحديداً حول المباني الآيلة للسقوط الـ 105، رغم العشوائية في تقدير حجم التهديد، وإعلان مهندسين وجهات في المجتمع المدني ومصادر من داخل بلدية طرابلس نفسها عن عدد مبانٍ مُهدّدة أكبر بكثير. بعد الزلزال الذي ضرب المنطقة قبل ثلاث سنوات، مثلاً، «سألنا البلدية عن تقديرها لعدد الأبنية المُهدّدة بالانهيار، كان جوابها أنّ هناك 4000 مبنى بحاجة إلى تدعيم، كرقم أولي، وهناك 400 مبنى بحاجة إلى الإخلاء فوراً»، تقول رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات أنديرا الزهيري. وتشير، في هذا الإطار، إلى أنه في لبنان، «باستثناء المسح الجزئي الذي قام به الجيش اللبناني مع نقابتي المهندسين في بيروت والشمال في منطقة المرفأ والمناطق المحيطة بها بعد انفجار 4 آب وكشف أن نحو 83 ألف وحدة مُهدّدة بالانهيار، والمسح في الضاحية الجنوبية بعد الحرب الذي خلص إلى أرقام قريبة من الواقع عن حالة المباني، ليست هناك أرقام دقيقة للمباني الآيلة للسقوط في كل لبنان».
المباني المُهدّدة عددُها بالآلاف
إذاً، قبل التدخّل لمعالجة ملف الأبنية في طرابلس، لا بد من البحث في دقّة الأرقام التي سينطلق منها وشموليته، خصوصاً بعدما، أكّد كريمة لـ«الأخبار» أن «عدد الأبنية المُهدّدة بالسقوط هو فعلياً بالآلاف»، علماً أنه بعد مُضيِّ أكثر من سنتين على المسح، فإن النتائج قد تكون تغيّرت بفعل الهزات والعواصف. عدا ذلك، فإن المباني الـ 600 التي تحتاج إلى الترميم، أُعطيت مهلة سنوات قليلة (4 إلى 5 سنوات) لترميمها، قبل أن يصبح إخلاؤها ضرورياً، وقد مضى أكثر من سنتين منها. والأهم، أن المسح نفسه جرى تحت ضغط الأهالي الذين أرسلوا طلبات إلى البلدية، للكشف على سلامة أبنيتهم، ما يعني أنه لم يشمل جميع الأبنية على امتداد عاصمة الشمال.
من جهته، يخشى خالد تدمري، أستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية، وعضو المجلس البلدي السابق، من «السيناريو الأسوأ»، أي «توالي انهيار الأبنية إذا ما استمر إهمال الدولة مع العوامل الطبيعية، إضافة إلى سرقة التجار الحجارة المميزة والقناطر والأعمدة من الأبنية الأثرية، وهو ما يحصل في طرابلس اليوم ويؤدّي إلى انهيار قصور مثل قصر آل المغربي، وقصر آل عدرا قبل أيام في منطقة سرايا عتيقة».
ويُميِّز تدمري بين نوعين من الأبنية: «باطونية بنيت في النصف الثاني من القرن الماضي بطريقة رديئة، وأخرى تراثية». ويعدُّ الأسباب التي جعلت من مدينة طرابلس بؤرة للأبنية الآيلة للسقوط، ومنها «الكثافة السكانية، عدم صيانة أبنية عمرها بين 50 و70 سنة، بنيت بمواد بناء خفيفة، وتعرّضت للقصف والهزات الأرضية، عدا التعدّيات والمخالفات وتحويل الطوابق تحت الأرض إلى ورش ومستودعات مكشوفة الأعمدة تتسرّب المياه إليها، ما يؤدّي إلى تآكل الأساسات».
وعلى ضفاف نهر أبو علي، هناك أحزمة بؤس وتركُّز للأبنية المتداعية، «نظراً إلى بنائها على تربة ضحلة، وارتفاع منسوب المياه في النهر ومياه الأمطار التي تسقي الأساسات».
في المقابل، لم تضع الدولة أي خطة لإنقاذ المباني الأثرية والسكنية في طرابلس، فيما «قامت الهيئة العليا للإغاثة بأعمال ترميم فرعية سابقاً ولم يتم العمل على المبنى ككل، كما سدّدت بدلات إيجار بلا ترميم»، وفقاً لتدمري.
كذلك، «لم تحصل هذه المدينة المحرومة على حقّها كباقي المناطق من وزارة المهجّرين، بعد الحرب، وكان مشروع الحريري أو القبة السكني هو المشروع اليتيم في المدينة رغم مآخذنا عليه لجهة نوعية الإعمار والشكل الهندسي»، يضيف تدمري. فهل تحرّك كارثة سقوط مبنى القبة ضمائر المعنيين لإنشاء صندوق ترميم المباني هذه المرة؟ وهل يصبّ كبار أغنياء لبنان الذين يتمركزون في طرابلس، مالهم الانتخابي، في هذا الصندوق؟




