
بعد مرور نحو ثلاث سنوات من الغارات والتفجيرات والقصف اليومي بشتى أنواع القذائف والصواريخ سواء تلك المحرمة دولياً او تلك التي تحوي الغازات السامة خرج الاحتلال الاسرائيلي بإعلان “إنجاز” السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر، في خبر أراد منه الاسرائيلي رسم صورة تحقيق إنجاز عسكري ميداني، بهدف اعطاء جرعة دعم معنوية لجيش الإحتلال من جهة وتقديم ورقة الى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع بدء العد العكسي لانتخابات الكنيست والتي بدأت الإحصاءات تظهر تراجعه لصالح منافسيه.
وكان لافتا مدى هشاشة الرواية الاسرائيلية في إعلان السيطرة عملياتيا على علي الطاهر والتي لم تقنع الإعلام الاسرائيلي نفسه، حيث أعرب عدد من المحليين والصحافيين عن تشكيكهم بصدقية “رواية السيطرة” معتبرين أن قادة الجيش يريدون الإيحاء بهذه السيطرة للتخلص من الضغط المتواصل الناجم عن فشل الجيش الاسرائيلي بحسم المعركة في جنوب لبنان،
بالمقابل تجدر الإشارة إلى أن المقاومة تعتمد منذ نحو ثلاثة أشهر سياسة الغموض البناء، ولم تصدر أي بيان يتعلق بالمواجهات مع العدو الإسرائيلي، الذي كان يعلن باستمرار عن وقوع إصابات في صفوفه وعن استهدافات كان يستخدمها كذريعة لتوسيع اعتداءاته في مناطق مختلفة من الجنوب، لكن عدم صدور رواية من المقاومة لا يعني التسليم بالرواية الإسرائيلية في ما خص السيطرة على تلال علي الطاهر.
كما إتهم البعض رئيس حكومة العدو ووزير حربه بخداع الإسرائيليين عبر الإعلان عن السيطرة التامة على تلة علي الطاهر، خصوصا وانه لم يتم نشر أي صور من تحت الأرض من علي الطاهر ما يدحض مزاعم ما يسمى بـ «سيطرة عملياتية» ، وعدم نشر صور يعتبر معاكسا لما هو معتاد لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي يسارع الى نشر الصور وتعميمها للترويج لانجازاته الميدانية وهذا ما لم يحصل في علي الطاهر، ما يطرح علامة إستفهام حول حقيقة الإنجاز الاسرائيلي في علي الطاهر
كذلك فإن أوساط اسرائيلية إتهمت نتنياهو بالاستعراض في إعلان السيطرة على تلال علي الطاهر، بهدف استغلال هذه القضية في إطار الحملة لانتخابات الكنيست في شهر أكتوبر المقبل، ومحاولة تسجيل نقطة لصالحه في مواجهة غادي آيزنكوت رئيس الأركان الأسبق لجيش الإحتلال الإسرائيلي، وأحد أبرز المنافسين السياسيين لنتنياهو في الاستحقاق الانتخابي المقبل.
وفي سياق التشكيك بالرواية الاسرائيلية التي باتت تكشف عن دخول إسرائيل في ما يمكن وصفه بـ”متاهة” علي الطاهر، لا بد من التوقف عند توقيت الإعلان الإسرائيلي عن “السيطرة” علي تلة علي الطاهر والذي تزامن عمدا عى ما يبدو مع الإفراج عن 5 أسرى، ما يظهر وجود محاولة اسرائيلية لتخضيم الإنجاز المزعوم من خلال إعطاء منشأة علي الطاهر أهمية قصوى في الخطاب الإسرائيلي.
وفي هذا السياق أيضا لا بد من التأكيد بأن العدو الإسرائيلي هو الذي منح موقع علي الطاهر الأهمية الكبرى من خلال وصف المنشأة الموجودة فيه بأنها كبيرة ومهمة واستراتيجية، بينما المقاومة لم تقدم أصلًا أي خطاب او موقف حول هذه المنشأة أو طبيعتها أو مواصفاتها. وبالتالي، فإن توصيف الموقع بهذه الأهمية هو توصيف إسرائيلي بالدرجة الأولى والذي سارع جزء كبير من الإعلام اللبناني الى ترويجه ما شكل خدمة مجانية للرواية الاسرائيلية.
كذلك لا بد من التوقف عند مغالطة اعلان جيش الاحتلال عن استهداف فتحات الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر، وهنا لا بد من الفصل بين الأنفاق والمنشأة، حيث ان وجود أنفاق أو استهداف فتحاتها لا يثبت السيطرة على المنشأة أو السيطرة على التلة بشكل كامل، فاستهداف فتحات الأنفاق شيء، والسيطرة على المنشأة أو الموقع شيء آخر.
كما أن حديث العدو الإسرائيلي عن عدم وجود إيرانيين داخل المنشأة، فيطرح بدوره سؤالًا حول أساس هذا الاستنتاج، وكيف عرف العدو أنه لا يوجد إيرانيون داخل المنشأة؟ وهل امتلك معطيات فعلية عن الموجودين فيها حتى يجزم بعدم وجود إيرانيين، أم انها محاولة للإيحاء بأنه قادر على كشف التفاصيل دون اي دلالة أو وقائع ميدانية ملموسة تثبت روايته حول تلة علي الطاهر.
ختاما وبناء على ما سبق ذكره لم يعد سراً أن اعلان إسرائيل السيطرة على تلة علي الطاهر “عملياتيا” لا تخرج عن إطار تسجيل “إنتصار معنوي” يساهم في رفع أسهم نتنياهو السياسية من جهة، وفي محاولة تسجيل انجاز ميداني لجيش الاحتلال في جنوب لبنان في ظل ما يرتكبه من أعمال تفجير وتدمير ممنهج للحجر واستهداف للبشر وكل مقوات الحياة، ولكن ذلك لن يحجب الجرائم التي يرتكبها العدو على مدار أشهر من استهداف لمقومات الحياة في جنوب لبنان، والمؤسف أنها تأتي في ظل استمرار المفاوضات في روما بعد توقيغ إتفاق الإطار الذي لم يجلب للبنان سو المزيد من الدمار والتدمير وتهجير اهل الجنوب واستمرار الاحتلال في تنفيذ مخططه التوسعي، دون أن يحقق لبنان الرسمي ولو انجازا متواضعا بعد توقيع السلطة على اتفاق الاطار المذل.




