الخريف على الأبواب وأهل الجنوب متروكون لقدرهم تقصير أم عقاب؟
بقلم الاعلامي محمد الباقر ترشيشي

ليست المشكلة اليوم في أن الدولة اللبنانية لا تعرف حجم ما أصاب الجنوب، ولا في أنها لم تسمع بأعداد البيوت المهدمة والعائلات التي فقدت مساكنها ومصادر رزقها.
المشكلة أبسط وأقسى: الوقت يمر.
نحن على أبواب الخريف، وبعده الشتاء، فيما لا تزال عائلات كثيرة تنتظر جواباً واضحاً عن سؤال يفترض ألا يحتاج إلى كل هذا الوقت: أين سنسكن؟
لا يجوز أن يتحول أهل الجنوب إلى ملف مؤجل على طاولة الدولة، ولا أن يصبح المواطن الذي خسر منزله مطالباً بأن ينتظر التسويات السياسية والقروض والمؤتمرات والوعود حتى تعرف عائلته أين ستقضي الشتاء.
الدولة ليست جمعية خيرية حتى نقول إنها ساعدت بقدر استطاعتها وانتهى الأمر.
الدولة مسؤولة عن مواطنيها.
وهنا يجب أن نكون منصفين أيضاً. هناك مسار رسمي لإعادة الإعمار، وهناك مشروع ممول من البنك الدولي، وهناك أعمال مرتبطة بالركام والبنى التحتية والخدمات الأساسية.
لكن وجود خطة على الورق لا يلغي السؤال عن الناس.
فمشروع LEAP لإعادة الإعمار أُنشئ ضمن إطار يصل إلى مليار دولار، فيما التمويل المتاح من البنك الدولي في مرحلته الأولى يبلغ 250 مليون دولار فقط، أي أن هناك فجوة تمويلية تبلغ 750 مليون دولار ضمن هذا الإطار. والأهم أن تقديرات البنك الدولي وضعت حاجات التعافي وإعادة الإعمار في لبنان عند نحو 11 مليار دولار.
هذه الأرقام تقول شيئاً واضحاً: انتظار التمويل الخارجي وحده لن يكون جواباً كافياً.
لبنان يحتاج إلى الخارج، نعم.
لكن أين الداخل؟
لماذا لا تتعامل الحكومة مع إيواء المتضررين باعتباره حالة طوارئ وطنية لها اعتماداتها وآلياتها ومهلها التنفيذية؟
لماذا لا نرى برنامجاً معلناً ومفصلاً يحدد عدد العائلات التي لا تزال منازلها غير صالحة للسكن، وحاجتها إلى بدل إيواء، أو مساكن مؤقتة، أو وحدات سكنية جاهزة حيث تسمح الظروف بذلك، مع جدول زمني واضح يمتد حتى بدء الإعمار الفعلي؟
والقول إن خزينة الدولة لا تحتمل يحتاج بدوره إلى نقاش.
لنأخذ مثالاً واحداً فقط: إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية، الريجي.
في نيسان 2026 أعلنت إدارة الريجي أن قطاع التبغ حقق عن عام 2025 نحو 480 مليون دولار حُوّلت إلى خزينة الدولة عبر وزارة المالية، منها نحو 300 مليون دولار أرباحاً صافية و180 مليون دولار من الضرائب والرسوم الجمركية.
أنا لا أقول إن وزيراً يستطيع أن يأخذ هذه الأموال بقرار شخصي ويوزعها، ولا يجوز قانوناً التعامل مع المال العام بهذه الطريقة.
لكنني أسأل: إذا كانت هذه الموارد تدخل الخزينة العامة، فما الذي يمنع الحكومة، عبر الأطر القانونية والموازنية ومجلس النواب حيث يلزم، من تخصيص جزء من موارد الدولة لبرنامج طوارئ واضح للمتضررين؟
والريجي ليست المصدر الوحيد.
هناك ملف الأملاك البحرية العامة.
الحكومة نفسها ناقشت خطة لزيادة إيرادات الأملاك البحرية عبر مراجعة التعديات، وتحصيل الرسوم غير المدفوعة، وإعادة التخمين والتسعير.
كما طُرحت آليات لتحصيل عشرات ملايين الدولارات من رسوم إشغال الأملاك البحرية العامة، إلى جانب إيرادات سنوية يمكن أن تستمر في رفد الخزينة.
إذاً، السؤال ليس فقط: من أين نأتي بالمال؟
السؤال أيضاً: ماذا نريد أن نفعل بالمال الموجود والذي يمكن تحصيله؟
هناك فرق كبير بين دولة فقيرة ودولة لا ترتب أولوياتها.
عندما يكون لديك مواطن فقد منزله، لا تستطيع أن تخاطبه باللغة نفسها التي تدير بها ملفاً إدارياً عادياً.
هذا مواطن دفع الضرائب والرسوم، وعاش على أرضه، وخسر منزله أو متجره أو أرضه أو مصدر رزقه.
وهو لا يطلب من الدولة منّة.
يطلب منها أن تقوم بوظيفتها.
يمكن للحكومة أن تضع برنامجاً استثنائياً ومحدداً زمنياً لإيواء العائلات الأكثر تضرراً.
يمكن أن تخصص له اعتمادات وفق الأصول القانونية.
يمكن أن تجعل جزءاً من الإيرادات الإضافية الناتجة عن تحسين الجباية واستثمار أملاك الدولة رافداً له.
يمكنها أن تذهب إلى الدول والصناديق العربية والدولية والمانحين وفي يدها خطة لبنانية جاهزة، بأسماء المشاريع والكلفة والمراحل وآليات الرقابة، بدلاً من انتظار أن يصنع الآخرون لنا خطة إنقاذنا.
ويمكن، قبل كل ذلك، أن تقول للناس الحقيقة.
كم منزلاً سيعاد تأهيله؟
كم عائلة ستتقاضى مساعدة؟
متى تبدأ الدفعات؟
من المسؤول عن التنفيذ؟
ما الأولوية؟
وما المهلة؟
هذه ليست أسئلة سياسية.
هذه أبسط قواعد الإدارة العامة والمساءلة.
وإذا كانت الدولة تريد استعادة ثقة الناس بها، فلن تستعيدها بالخطب. تستعيدها عندما يشعر المواطن أن الدولة وصلت إليه عندما احتاج إليها.
أهل الجنوب لا يريدون خطابات عاطفية.
يريدون سقفاً.
يريدون طريقاً مفتوحة.
يريدون مدرسة ومستشفى ومياهاً وكهرباء.
ويريد صاحب المنزل المدمر أن يعرف متى يبدأ إعمار منزله، لا أن يسمع كل بضعة أشهر أن الملف لا يزال قيد البحث.
وهنا تصبح القضية أكبر من الجنوب نفسه.
لأن ترك منطقة منكوبة تواجه مصيرها وحدها لا يضرب تلك المنطقة فقط، بل يضرب مفهوم الدولة.
اليوم الجنوب.
وغداً قد تكون منطقة لبنانية أخرى أمام كارثة مختلفة.
فأي دولة نريد؟
دولة تحضر عند جباية الرسوم والضرائب وتغيب عند الكوارث؟
أم دولة تعتبر أن حماية مواطنيها وإغاثتهم وإعادتهم إلى بيوتهم هي في رأس سلم الأولويات؟
الخريف لن ينتظر جلسة لمجلس الوزراء.
والشتاء لن ينتظر اكتمال المفاوضات مع المانحين.
والعائلة التي فقدت منزلها لا تستطيع أن تعيش على بيان وزاري.
لهذا، المطلوب اليوم ليس وعداً جديداً بإعادة الإعمار.
المطلوب خطة طوارئ وطنية معلنة، ممولة وشفافة، تبدأ بالإيواء والمساعدات المباشرة، وتصل إلى إعادة الإعمار، مع حساب خاص أو آلية مالية واضحة تخضع للرقابة وتُنشر أرقامها أمام اللبنانيين.
عندها فقط يمكن للدولة أن تقول لأهل الجنوب: أنتم لستم وحدكم.
أما أن يبقى الناس ينتظرون، والخريف يقترب، والموارد الممكنة مبعثرة بين الخزينة والأملاك العامة والجباية والمساعدات الخارجية، فهنا يصبح السؤال مشروعاً ومؤلماً:
هل الدولة عاجزة فعلاً عن الوقوف إلى جانب أهل الجنوب، أم أنها لم تقرر بعد أن تجعلهم أولوية؟




