اخبار محليةالرئيسية

إسرائيل ومعركة «علي الطاهر»: القتال من دون استراتيجية سياسية

ابراهيم الأمين - الاخبار

قدرة العدو على تحويل الأنظار نحو نقطة بعينها تتجاوز، في كثير من الأحيان، الوقائع الميدانية نفسها. وفي هذه المرحلة، تبدو معركة السيطرة على تلال «علي الطاهر» وكأنها مركز الثقل بالنسبة إلى جيش الاحتلال، إلى حدّ يوحي بأن سقوط هذه المنطقة سيشكّل تحوّلاً كبيراً في جبهة لبنان، يمهّد، وفق ما يروّج الإسرائيليون والأميركيون، لانكسار المقاومة، وبالتالي الانتقال إلى تنفيذ خطة نزع سلاحها في كل لبنان.

قبل سريان «الوقف الجدّي» لإطلاق النار في حزيران الماضي، نتيجة توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكّرة تفاهم تتضمّن وقف العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، كان العدو يخوض معركة واسعة في شرق النبطية. وتمكّنت قواته من تجاوز نهر الليطاني في تلك المنطقة، وإن من نقطة لا تبعد كثيراً عن الحدود مع فلسطين المحتلة، قبل أن تتقدّم من محوري الطيبة ودير سريان باتجاه السيطرة على زوطر الشرقية والغربية، وصولاً إلى تلال «علي الطاهر»، بعدما كانت قد احتلت قلعة الشقيف.

وعندما أعلن الأميركيون أنهم نجحوا في إجبار إسرائيل على وقف عملياتها العسكرية، تعمّد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو التأكيد، في أكثر من مناسبة، أن ذلك لا يمنع جيشه من تنفيذ أي عملية يرى أنها تعزّز مشروعه لضمان أمن مستوطنات الشمال. وبرّر جيش الاحتلال عدداً من عملياته في تلك المنطقة بأنها تهدف إلى السيطرة على مواقع ونقاط يمكن للمقاومة استخدامها لاستهداف المستوطنات.

مواجهات مع وحدة بدر
وفق حسابات جيش الاحتلال العسكرية، كانت عملياته البرية تجري في مناطق تتبع، بحسب التقسيم الجغرافي للمقاومة، لوحدتي «عزيز» (القطاع الغربي) و«نصر» (القطاع الشرقي). وعندما تجاوز نهر الليطاني باتجاه زوطر، دخل في مواجهة مع وحدة «بدر» (منطقة شمال النهر)، وكانت تلك من أولى المواجهات المباشرة مع هذه الوحدة. وينطلق الاحتلال من اعتبار «بدر» مركز القيادة الرئيسي للمقاومة في الجنوب، مستفيدةً من المرتفعات الجبلية التي تمتد في المنطقة الواقعة ضمن قضاء النبطية. ومن هنا، يرى أن توجيه ضربات مركّزة إليها، عبر احتلال منشآت أو تدميرها أو تعطيلها، يشكّل إحدى النقاط الرئيسية في المستوى الجديد من الحرب على لبنان.

وبعد وقف إطلاق النار، اعتبر العدو أن التسوية الأميركية – الإيرانية حالت دون تحقيق هدفه في تلال «علي الطاهر»، لكنه لم يتخلَّ عن خططه للهجوم على المنطقة. فواصل، على مدى الفترة اللاحقة، تنفيذ الغارات والقصف المدفعي، بالتوازي مع عمليات استطلاع تنفذها وحدات خاصة من ألوية النخبة، ذات طابع أمني، بهدف معرفة طبيعة الأرض بصورة دقيقة، وزرع أجهزة تنصّت وكاميرات مراقبة. ويأتي ذلك في سياق ما يعتبره الاحتلال مهمته الحالية: محاصرة التلال التي يعتقد أنها تضم منشآت خاصة للمقاومة، تمهيداً لتنفيذ عملية أمنية – عسكرية تتيح له الوصول إلى هذه المواقع وإعلان السيطرة عليها، من دون الاضطرار إلى خوض معركة واسعة قد تترك تداعيات تتجاوز الساحة اللبنانية.

عملياً، كان واضحاً للمقاومة أن العدو لن يتوقف عن مساعيه العسكرية والأمنية لتحقيق هذا الهدف. لذلك عملت، في المقابل، على خلق معادلة موضعية تقوم على أنه كلّما حاول الاحتلال الاقتراب من نقاط محددة، تتولى المقاومة توجيه ضربات مدروسة بعناية، تستند إلى معلومات ميدانية دقيقة تتيح اختيار السلاح والتوقيت المناسبيْن، سواء عبر العبوات الناسفة أو المُحلِّقات الانتحارية. وقد تكرر هذا الأمر في أكثر من منطقة، فيما كان العدو يعترف، بين الحين والآخر، بوقوع إصابات في صفوف جنوده، مكتفياً بالقول إنها ناجمة عن «نشاط عملياتي»، من دون تقديم تفاصيل دقيقة عن طبيعة ما جرى.

وبحسب مصادر مواكبة للاتصالات اللبنانية – الأميركية، فإن إسرائيل «مضطرة إلى عدم تبنّي أي أعمال حربية يمكن وضعها في خانة خرق اتفاق وقف إطلاق النار». وهي قاعدة دفعت إسرائيل ثمنها أيضاً. فعندما انفجرت عبوة ناسفة في أحد منازل مجدل زون، ما أدّى إلى مقتل وإصابة 11 ضابطاً وجندياً من جيش الاحتلال، حاولت إسرائيل اعتبار الحادث خرقاً يبرر تنفيذ عمليات واسعة. إلا أن الجانب الأميركي – وليس تعاطفاً مع أي طرف – أبلغ قيادة جيش الاحتلال بأن ما حصل لا يشكّل خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، ولا سيما أن إسرائيل لم تقدّم أدلة على تنفيذ المقاومة عملية عسكرية صريحة، علماً أن المقاومة توقّفت، في المقابل، عن نشر أي بيانات تتعلق بنشاطها العسكري في المنطقة المحتلة.

أمّا ما حصل قبل أيام في «علي الطاهر»، فبدأ بتعرّض قوة هندسية تابعة لأحد ألوية النخبة في جيش الاحتلال لكمين للمقاومة في المنطقة، ما أدّى إلى إصابة عدد من أفرادها بجروح خطيرة. لكنّ العدو لجأ هذه المرة إلى ما اعتبره «الرد المشروع»، فنفّذ عمليتي اغتيال استهدفتا كوادر في المقاومة، مستخدماً الأسلوب نفسه القائم على توجيه ضربة نارية كثيفة، بمعزل عن حجم الدمار أو عدد الإصابات التي قد تنتج منها. وأدّت الضربتان إلى سقوط 11 شهيداً في أنصار ودير الزهراني.

يجنّد العدو أكثر من 1000 ضابط وجندي مع منظومة نارية واستخباراتية هائلة في مواجهة عشرات المقاتلين المُحاصرين

في هذه العملية، تصرّف العدو على أساس أنه يبعث إلى المقاومة برسالة مفادها أنه يشعر بأنها في صدد تنفيذ برنامج من العمليات الموضعية ضد قواته في المنطقة المحتلة، وأنه يعتبر ذلك خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وأنه سيرد على هذا النحو كلّما تكرّر الأمر. لكن، بعيداً عن النقاش المهني حول حقيقة ما يجري في منطقة «علي الطاهر»، يبدو أن الاحتلال سيواصل سعيه إلى السيطرة على المنطقة عبر عملية أمنية، لا عبر هجوم عسكري صاخب. والسبب أن لديه قناعة بأن إيران قد تتعامل مع أي عمل عسكري واسع بوصفه خرقاً يستوجب رداً، بما قد يهدّد المسار السياسي الذي لا تزال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفضّله، ولو إلى حين.

أي جيش يقاتل؟
ملف «علي الطاهر» يلقي الضوء على نقاش متصاعد داخل كيان الاحتلال حول واقع الجيش وقدراته وآلية عمله في لبنان، ولا سيما أن مواجهات ما بعد 2 آذار كشفت ثغرة كبيرة في التقييم الاستخباراتي الإسرائيلي لنوايا حزب الله وقدراته. وتعزّز هذا الانطباع مع مرور الوقت، بفعل طبيعة العمليات التي نفّذها الحزب، والتي عكست ما وصفه قادة إسرائيليون لاحقاً بـ«نتيجة سياسة التعافي» التي انتهجها حزب الله خلال الأشهر الـ15 التي تلت انتهاء معركة «أولي البأس». ومع ذلك، ظلّ جيش الاحتلال يعتمد على القوة النارية أساساً لنشاطه العسكري، انطلاقاً من العقلية نفسها التي تحكم القيادة السياسية، والقائلة إن كثافة النيران هي الوسيلة الأساسية لردع المقاومة ومنعها من استئناف عملياتها.

ومن خلال مراجعة النقاشات التي خرجت إلى العلن على مدى الأشهر الماضية، يتضح أن نقاشاً حاداً يدور داخل الجيش الإسرائيلي، يتمحور حول «ثغرات أمنية وعملياتية وتكتيكية كبرى واجهت القوات على الأرض عند التعامل مع حزب الله على الجبهة الشمالية». وانتقل هذا النقاش إلى الجمهور عبر سلسلة تقارير نشرتها الصحافة الإسرائيلية، ويمكن تلخيص أبرز ما ورد فيها على النحو الآتي:
أولاً: أقرّ قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، اللواء رافي ميلو، أمام ضباطه، وبصورة علنية، بأن قواته دخلت في بعض العمليات الحساسة في القطاع الشرقي (مثل محاولة عبور نهر الليطاني)، من دون أن تكون مستعدّة بالقدر الكافي. ووصف ما جرى بأنه «خطأ أتحمّل مسؤوليته شخصياً».
ثانياً: نقل مراسلون عسكريون عن مسؤولين كبار في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنهم يعيشون حالة «صدمة» نتيجة ما وصفوه بـ«فقدان الذاكرة التنظيمية» داخل الجيش.

ثالثاً: ارتفع منسوب الانتقادات الموجّهة إلى الجيش بسبب التكتيكات المُعتمدة في القتال البري، إلى حدّ القول إن المشهد بدا وكأنّ «الجنود والقادة نسوا تماماً ما الذي يعرف حزب الله القيام به». ويعزو أصحاب هذا الرأي الأمر إلى «انشغال الجيش بجبهات أخرى»، وإلى أن «اغتيال عدد من القيادات التاريخية لحزب الله أدّى إلى نشوء تقديرات استخباراتية خاطئة حول قدرات الحزب، وصولاً إلى استسهال الحديث عن أنه أصبح مشلولاً بالكامل».

رابعاً: أظهرت جولات القتال أن جيش الاحتلال لم يكن مستعداً، تكنولوجياً وميدانياً، لمواجهة بعض الأسلحة والأساليب التي باغته بها حزب الله، وفي مقدّمها المُسيّرات الانقضاضية الموجّهة عبر الألياف البصرية. وبينما كان الجيش الإسرائيلي يتباهى بتفوّقه التقني مقارنة بمعظم الجيوش، عجزت منظومات الرصد التقليدية لديه عن التعامل بكفاءة مع هذا النوع من المُسيّرات، ما أدّى إلى سقوط عشرات الجنود والضباط بين قتيل وجريح في كمائن مُركّزة. ومن أبرز الأمثلة حادثة العبور التي أُعلن على إثرها عن «حدث متعدّد الإصابات»، مع سقوط أكثر من 20 جريحاً وقتيلاً، واضطرار القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب وترك معدات هندسية ثقيلة في الميدان.

خامساً: تشير التقارير المنشورة إلى أن عدداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي ينتقدون قرار الحكومة إقامة «حزام أمني جديد» في جنوب لبنان، ويرون فيه «فخاً استنزافياً». فهذه المنطقة، وفق تقديراتهم، «تُدار الآن بواسطة جيش مُنهك ويعاني نقصاً حاداً في القوى البشرية»، في حين أن السيطرة عليها «لن تمنع إطلاق القذائف والصواريخ، بل ستجعل القوات الإسرائيلية منتشرة في منطقة مكشوفة، بما قد يحوّلها إلى هدف دائم ويؤدّي إلى كوارث تتراكم أثمانها البشرية يومياً». ومن هنا، بدأ يظهر في أوساط القيادات العسكرية ما يمكن وصفه بـ«الإحباط» من «غياب استراتيجية واضحة لنزع سلاح حزب الله، مقابل تنفيذ أعمى لقرارات سياسية تتخذها حكومة نتنياهو التي باتت فاقدة للأفق السياسي».

قدرات العدو وقدرات المقاومة
وفي الوقائع المتّصلة بالمواجهة الحالية، وما يخطّط له العدو في «علي الطاهر»، تعكس التطورات الميدانية حاجة إسرائيل إلى تحقيق نتيجة، بشرط أن تكون قابلة للتحويل إلى إنجاز كبير يتجاوز حجمها العسكري الفعلي. ومن هنا، فإن التسريبات الإعلامية المُكثّفة، سواء الصادرة عن العدو نفسه أو عن حلفائه في لبنان والإعلام الحليف له في المنطقة، تعيد إلى الواجهة منظومة عمل اعتمدتها إسرائيل منذ وقت طويل، تقوم على صناعة السردية مُسبقاً، بحيث يتحوّل أي نجاح ميداني إلى إنجاز سياسي ونفسي هائل، تتجاوز تداعياته بكثير نتائجه على الأرض. لكن واقع الحال، يمكن أن يعكس صورة مختلفة.

فالعدو، الذي يتصرّف على أساس أن السيطرة على «علي الطاهر» باتت حاجة عسكرية، قد ينظر إلى الأمر من زاويتين. الأولى عسكرية بحتة، وتتمثّل في الانتقال من التثبيت الدفاعي لقواته، كما هي الحال في احتلال قلعة الشقيف، إلى تثبيت هجومي عبر التقدّم إلى تلال جديدة يمكن، في حال قرّر توسيع عملياته العسكرية لاحقاً، استخدامها كنقاط انطلاق. فتلال علي الطاهر هذه، تمنحه غرباً، قدرة على الاقتراب أكثر من مدينة النبطية ومحيطها، وشمالاً وشرقاً باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان، وهي منطقة تسعى إسرائيل إلى الإمساك بها منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي البعد الثاني، السياسي.

فقد يحتاج العدو إلى السيطرة على «علي الطاهر» لاستخدامها ورقةً في أي مفاوضات مقبلة تُفرض عليه فيها «تنازلات ميدانية». فبدلاً من أن يجد نفسه مضطراً إلى الانسحاب من كامل زوطر الشرقية وكفرتبنيت وقلعة الشقيف ووادي دير سريان، كما يطرح لبنان، يمكنه أن يسعى إلى تحويل تلال «علي الطاهر» والمناطق التي يحتلها معها إلى «منطقة تجريبية» جديدة، تتيح له انتزاع مكاسب من لبنان في ملف نزع السلاح، من دون الاضطرار إلى التخلي عن قلعة الشقيف وزوطر الشرقية ومحيطهما، خصوصاً أن هذه المنطقة تمثّل اليوم مركزاً دفاعياً أساسياً بالنسبة إليه.

ومع كل ذلك، فإن أصل المعركة نفسها يتطلّب من جيش الاحتلال قدرات عسكرية وأمنية كبيرة. فهو ينشر اليوم أكثر من ألف ضابط وجندي، إلى جانب شبكة واسعة من الدعم الناري تؤمّنها الطائرات الحربية والمُسيّرات بمختلف أنواعها، فضلاً عن المدفعية المنتشرة في المناطق الخلفية، وأنواع متعدّدة من الآليات العسكرية، من دبابات ومركبات مُدرّعة وغيرها. وهذا يعني حشد قوة بشرية قتالية ولوجستية كبيرة للوصول إلى هدف يقول العدو إن حزب الله ينشر فيه عشرات المقاتلين داخل المنشآت نفسها، وإن وضعه العسكري لا يسمح له، في المقابل، بنشر مجموعات إضافية في التلال والأودية المحيطة بمنطقة المواجهة.

عملياً، يقف لبنان اليوم في قلب المواجهة الكبرى المستمرة منذ 7 تشرين الأول 2023. والمقاومة في لبنان تعرف، قبل غيرها، أن الحروب التي تلت في لبنان وسوريا وضد إيران ليست منفصلة عن السياق الأوسع الذي تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى فرض وقائعه على المنطقة العربية. ولأن الأمر كذلك، فإن من يدير المواجهة في كيان العدو لا يزال هو نفسه منذ نحو ثلاث سنوات، كما أن الوقائع تكشف أن الفكرة التي يحملها نتنياهو عن الصراع مع العرب، والتي تعود جذورها إلى ما قبل قيام الكيان نفسه، لا تزال تتحكّم في عقله السياسي وفي كثير من أدوات العمل التي يعتمدها.

لكنّ هذا المشروع اصطدم بعقبات كثيرة، في مقدّمها صمود إيران، وعدم انكسار المقاومة في لبنان، وبقاء أهل غزة في أرضهم، والعجز عن إنتاج منظومة سياسية مستقرّة وقابلة للحياة في مختلف أنحاء المنطقة. فيما الثابت الوحيد في كل هذه الاستراتيجية هو القتل، والمزيد من القتل!

جيش الاحتلال يكرّر الـ82 إعلامياً… ويقرّ: إيران لم تطلب من حزب الله دخول الحرب
تكشف وثائق اجتياح عام 1982 أن العدو عمل، قبل اندلاع الحرب، على إنشاء وحدة إعلامية متخصّصة في الحرب النفسية، وأسّس فرقة ضمّت خبراء من الجيش والأجهزة الأمنية، وتولّى تدريب إعلاميين لبنانيين على كيفية أداء دورهم في الحرب النفسية، بما في ذلك الترويج للانتصارات المقبلة قبل تحقّقها. وهو ما يتكرر اليوم أيضاً.

وقد بدأت هذه السردية منذ توقّف معركة «أولي البأس»، قبل أن تتّخذ شكلاً جديداً مع اندلاع معركة «العصف المأكول»، إذ ركّز الخطاب السياسي والإعلامي لحكومة العدو ومنابرها، وكذلك منابر حلفائها في لبنان والمنطقة، على أن ما قام به حزب الله لم يكن سوى تنفيذ لأوامر إيرانية، وأن هدفه الأساسي كان إسناد إيران.

وفي سياق النقاش النقدي حول جبهة لبنان، تراجع العدو عن ادّعائه بأنه يعرف كل شيء عن حزب الله، وأنه يعرف كيف يفكر وكيف يعمل وماذا يخطّط. لكن اللافت أن نتنياهو نفسه، الذي سبق أن قال إنه اكتشف أن الأمين العام لحزب الله، الشهيد السيد حسن نصرالله، كان يؤثّر في القرار الإيراني لا العكس، عاد لاحقاً ليقول إن حزب الله انتهى، وإن ما تبقّى منه ليس سوى مجموعات يقودها الحرس الثوري الإيراني. وقد روّج العدو لهذه النظرية في سياق تحريض الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خوض الحرب ضد إيران، على أساس أن إسقاط طهران سيعني تلقائياً نهاية حزب الله. وشاركت في ذلك قوى حليفة للولايات المتحدة وإسرائيل في لبنان، قادت حملة دعائية واسعة لتعزيز سردية أن المقاومة في لبنان تعمل وفق الأجندة الإيرانية، وأن دخولها المواجهة في 2 آذار جاء استجابة لطلب إيراني.

لكنّ المفاجأة جاءت من داخل كيان الاحتلال نفسه، وفي أكثر من تقرير استند إلى معلومات أمنية، بينها ما نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت». فللمرة الأولى، ظهر حديث مختلف عن خلفيات ما حصل في 2 آذار الماضي، إذ نشر الصحافي يوآف زيتون مقالاً موسّعاً في 7 آب 2026، نقل فيه «نفياً» من قيادة العدو العسكرية والأمنية لفرضية أن يكون حزب الله قد دخل المعركة بناءً على طلب إيراني.

ونسب إلى «مسؤول أمني رفيع» قوله، خلال نقاش داخلي، إن «حزب الله استعدّ للعودة إلى الحرب، وتعامل مع حرب مُحتملة في إيران على أنها فرصة. طهران لم ترسل أمراً إلى نعيم قاسم بأنهم بحاجة إلى مساعدته وعليه أن يدخل إلى الحرب مع إسرائيل. بالعكس، هم أدركوا أن وضعه مُعقّد». وأضاف: «الحقيقة هي أن حزب الله توصّل إلى استنتاج بأنه لا يستطيع الاستمرار في تلقّي ضربات، مثلما حدث طوال 15 شهراً، وهو انتظر الفرصة المناسبة، وخرج إلى الحرب بمبادرته، محاولاً استعادة قدرته الردعية».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى