اخبار عربية ودوليةالرئيسية

«الحرس» يلوّح بكسر الحصار بالقوة | أميركا – إيران: لُعبة الرهان على الوقت

محمد خواجوئي

انتهت، أمس، مهلة الـ60 يوماً التي حدّدتها مذكّرة تفاهم إسلام آباد، لبلوغ اتفاق شامل ومستدام بين طهران وواشنطن، من دون أيّ إعلان رسمي عن تمديدها. وهكذا، يرسو المشهد الإقليمي على حال هشّة من اللاحرب واللاسلام، مثقلةٍ بانعدام الثقة المتبادل، ومشبعةٍ بإشارات الانسداد الاستراتيجي. وفي خضمّ ذلك، يبدو أن الطرفَين يغرقان أكثر فأكثر في لعبة استنزاف مفتوحة، يراهن فيها كلٌّ منهما على عامل الوقت.
ورغم الآمال التي أحاطت بـ«تفاهم إسلام آباد» في أيامه الأولى، فإن مسار تطبيقه اصطدم سريعاً بجملة من العقبات، كان أبرزها، من جهة، استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، بوصفها خرقاً صريحاً للبند الأول المتعلّق بـ«إنهاء الحرب على جميع الجبهات»، ومن جهة أخرى، الخلاف الإيراني – الأميركي حول آلية إدارة مضيق هرمز خلال مدة التنفيذ. فقبل حرب 28 شباط، كان نحو خُمس النفط والغاز في العالم يمرّ عبر هذا الممر الاستراتيجي، إلا أن الهجوم العسكري الأميركي – الإسرائيلي على إيران، حوّل المضيق إلى خطّ مواجهة متقدّم، بعدما أقدمت طهران على إغلاقه.

ورغم المساعي الدبلوماسية التي تقودها أطرافٌ وسيطة، ولا سيما باكستان وقطر، لتمديد مدّة التفاهم، لا تزال آفاق هذا المسعى غامضة وغير محسومة. إذ أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أمس، أنه «لا وجود في تفاهم إسلام آباد لما يُسمّى مهلة الـ60 يوماً»، مضيفاً أن «الخرق الفاضح والواسع لمذكّرة 18 حزيران من جانب الولايات المتحدة، بعد أسابيع قليلة فقط على توقيعها، حال دون انطلاق أيّ مفاوضات، ما أسقط عملياً أيّ معنى للحديث عن مهلة الـ60 يوماً». وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تبنّى، في وقت سابق، الوجهة ذاتها، قائلاً إن مذكّرة التفاهم لا تتضمّن أصلاً وقفاً لإطلاق النار يحتاج إلى تمديد بعد 60 يوماً، بل تنصّ على «نهاية الحرب». وبذلك، تحاول طهران نزع الشرعية عن محاولات تصوير المذكّرة باعتبارها اتفاقاً مؤقّتاً انتهت مدته، معيدةً التذكير بأن ما تمّ توقيعه التزام سياسي وقانوني انهار فعلياً بفعل الخروق الأميركية المبكرة.

يعتقد الاستراتيجيون في إيران أن ترامب سيُضطر إلى التراجع عن الحصار والاتجاه نحو تسوية ما

مع ذلك، تكشف التطورات الميدانية في الأيام الأخيرة عن ملامح «هدنة غير معلَنة» تحكم خطوط الاشتباك، من دون أن يعني هذا الهدوء النسبي، بحال من الأحوال، طيّ صفحة الصراع؛ فمضيق هرمز لا يزال مغلقاً عملياً، والحصار البحري الأميركي المفروض على الشواطئ الإيرانية، لا يزال على أشدّه. لكن يبدو جلياً أن النواة الصلبة للمواجهة الراهنة، لم تعُد متمثّلة بالاشتباك العسكري المباشر، بل باتت متمحورة حول الوضع الاقتصادي. فالطرفان يراهنان على أن عامل الوقت سيعمل ضدّ الخصم ويستنزف أوراقه أولاً، وأن من ينكسر قبل الآخر سيكون الخاسر الحتمي على طاولة التفاوض المؤجلة.
وفي هذا الإطار، تُمسك طهران بورقة إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، بما ينعكس مباشرة على سلاسل إمداد الطاقة العالمية؛ إذ يُعدّ ارتفاع أسعار البنزين واتّساع مناخ عدم الاستقرار الاقتصادي، خصوصاً قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني المقبل، أقوى أوراق الضغط الإيرانية. كما يعتقد الاستراتيجيون في إيران أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تحت وطأة السخط الشعبي من التضخّم وغلاء المعيشة، سيُضطرّ في نهاية المطاف إلى التراجع عن الحصار والاتجاه نحو تسوية ما، وذلك لإنقاذ ما تبقّى من رصيده وصورته السياسية.

في المقابل، تُراهن الولايات المتحدة، عبر تشديد الحصار البحري وسياسة «الضغوط القصوى»، على خنق الاقتصاد الإيراني، وشلّ شرايينه الحيوية. وهي تفترض أن الوقف التامّ لصادرات النفط، والهبوط الحادّ للعملة الوطنية، سيقوّضان البنية الاقتصادية للجمهورية الإسلامية، إلى الحدّ الذي يُجبرها في نهاية المطاف على الرضوخ لشروط واشنطن. وإلى جانب هذه المطرقة الاقتصادية، تحاول الولايات المتحدة عسكرياً فرض مسارات بديلة لمرافقة السفن التجارية وحمايتها في المضيق، في لعبة مزدوجة تهدف من جهة إلى إظهار قدرتها على صون هيبتها وحفظ تفوّقها العسكري، ومن جهة أخرى إلى تفريغ ورقة «هرمز» من قيمتها الردعية.
وفي ظلّ تلك المعادلة الصفرية، يبقى الأفق السياسي مفتوحاً على كلّ الاحتمالات، فيما يبدو أن الأيام الـ60 المقبلة لن تكون أقلّ سخونة من سابقتها، بل ستكون محفوفة بمخاطر سوء الحسابات.

في هذا الوقت الضائع، واصل ترامب بهلوانياته اللفظية، داعياً، في تصريح إلى قناة «فوكس نيوز»، إيران إلى «رفع الراية البيضاء لإعلان الاستسلام»، مدّعياً أن «هناك قناة تواصل خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري. ولستُ مستعجلاً». وكان ترامب أشار، في تصريح سابق آخر، إلى أن «إيران ليست في صدد إبرام الاتفاق الذي أرى أنا أنه ضروري»، طارحاً «إعلان مضيق هرمز أرضاً أميركية»، معتبراً ذلك «فكرة عظيمة». كما زعم مجدّداً أن بلاده تسيطر «بشكل كامل على المضيق».
وإذ نفى «الحرس الثوري»، في بيان، وجود أيّ قنوات تواصل مع الولايات المتحدة، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني رفيع المستوى القول «إننا قرّرنا التحوّل من النهج الدفاعي إلى الهجومي الكامل، وذلك بسبب وصول جهود إنهاء الحرب إلى طريق مسدود»، مضيفاً «أننا سنشنّ هجوماً عسكرياً في الوقت المناسب، وبدقة لكسر الحصار البحري الأميركي إذا فشلت الدبلوماسية». وتابع أنه «يجب على الولايات المتحدة تنفيذ جميع بنود الاتفاق في غضون مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة أسابيع ستحدّدها إيران. وهذا شرط مسبق لإجراء مزيد من المفاوضات مع واشنطن. والوسطاء سينقلون المهلة التي حدّدتها طهران إلى واشنطن ودول المنطقة».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى