اخبار محليةالرئيسية

عودة قسرية إلى عقد الفيول العراقي

الأخبار

لماذا كل هذا اللفّ وهذا الدوران في وزارة الطاقة؟ ألم يكن مُجدِياً من الأساس الاعتراف بأهمية وجدوى عقد الفيول العراقي باعتباره أساساً لاستمرار التغذية بالكهرباء في المرحلة الحالية بدلاً من وقف الاستفادة منه ثم استجداء العراق لتجديده؟ فما حصل في زيارة رئيس الحكومة نواف سلام الذي يرافقه وزيرا الطاقة والمال إلى العراق، للطلب منه تجديد هذا العقد في سياق نقاش يتعلّق بإعادة تشغيل خط نفط كركوك – طرابلس، ليس سوى ترجمة لـ«اللارؤية» وانعدام التخطيط وإغفال السياق السياسي للعمل على أساس ردّ الفعل بدلاً من المبادرة.

أصلاً، خطّ النفط لم يكن أولوية لبنانية، ولم يبادر لبنان إلى طرحه إلا بعدما تلقّى طلباً واضحاً من الرئيس السوري أحمد الشرع بذلك، بينما طلب تجديد عقد الفيول العراقي هو انعكاس للضياع الرسمي في التعامل مع مسألة بهذه الحساسية. والضياع يحصل لا فقط بسبب وقف ثم طلب تجديد هذا العقد، بل لأن الحكومة لم تعترف بعد بأن المشكلة تتعلّق بتوفير الدولارات لاستيراد الفيول اللازم لتشغيل المعامل.

بعد عودة الوفد اللبناني من العراق، لم تظهر أي تصريحات أو مواقف توضح النقطتين اللتين سافر الوفد اللبناني من أجلهما. وبحسب المُعطيات المُتداولة، فإن العراق وافق على تجديد عقد الفيول، لكن لم يظهر أي وضوح بشأن الكميات ونوع الفيول ومهل تسديد المتأخّرات أو ما يستحق من العقد المُجدّد. باختصار المسألة لم تُحسم بعد. فهذا العقد، كما كان عليه في السنوات الماضية، يؤمّن كميات شهرية من الزيت الثقيل الذي يتمّ استبداله بكمية تصل إلى النصف تبعاً للأسعار العالمية، واستخدام الناتج المُستبدل بما يتيح لمؤسسة كهرباء لبنان تشغيل المعامل وإنتاج نحو أربع ساعات كهرباء يومياً. ورغم مزاعم وزارة الطاقة في الورقة التي عُرضت على مجلس الوزراء باسم «سياسة القطاع» والتي تُلمِح إلى إنتاج يومي يصل إلى 10 ساعات كهرباء، فإن الواقع يختلف جذرياً، إذ لا يتخطّى الإنتاج ما متوسطه 5 ساعات يومياً.

صحيح أن الكهرباء التي تُنتج فيها هدر بنسبة 40% بين الهدر التقني والسرقة للتيار، إلا أن ذلك ليس سوى جزءاً من الحقيقة. فالمشكلة الأساسية أن الدورة المالية بين الإنتاج والجباية لم تعد تكفي لسدّ ثمن الفيول المُستورد بعد ارتفاع الأسعار. وهذا الأمر كان يمكن تداركه لفترة أطول، لو قرّرت وزارة الطاقة الاستمرار بالعمل بالعقد العراقي لأن التسديد لم يكن واجباً سوى بعد سنة من تسلّم الكميات بينما الدورة المالية للإنتاج والجباية تُراوِح بين ثلاثة وأربعة أشهر، أي إن الوزارة كان يمكنها أن تراكم مبالغ كبيرة لتمويل الاستيراد.

أيضاً، لا يمكن اعتبار أن الدورة المالية هي المشكلة الأساس، بل هي المشكلة التي أوجد لها حلاً وزير الطاقة السابق وليد فياض من خلال العقد العراقي. إنما المشكلة الفعلية أنه لا توجد عملات أجنبية كافية لدى مصرف لبنان والخزينة لتمويل شراء الفيول بشكل مُستدام. فمصرف لبنان ليس قادراً على تمويل مؤسسة كهرباء بالدولارات اللازمة لشراء الفيول، أو على الأقلّ ليس كل الكمية التي تطلبها، مع أنها كمية ضئيلة اليوم لا تكفي لتشغيل المعامل بنصف طاقتها. جرى التحايل على هذه المشكلة من دولرة الفواتير والسماح بالجباية بالدولار، ومن خلال رفع تعرفة الكهرباء.

الشحّ المالي يدفع لبنان إلى استجداء العراق لبيعه الفيول بمهل تسديد طويلة

غير أن التعامل مع المسألة وفق المسار البنيوي، لم يحصل بعد. ليس واضحاً في خطة الوزير والهيئة الناظمة للقطاع، كيف سيتم التعامل مع قدرة لبنان على جذب عملات أجنبية كافية لكل الحاجات في السوق ومن ضمنها حاجات الكهرباء. وليس واضحاً ما هي الخيارات المُتاحة. هناك ما يشبه خريطة طريق للخصخصة والخطوات الواجبة في هذا الاتجاه، إنما ما الذي يمنع أن يحصل خلل ما في الكتل النقدية التي تدار بهشاشة عالية اليوم، ليفقد السوق توازنه ولا يعود ممكناً للشركات التي تتعاطى في قطاع الكهرباء من الحصول على كل حاجاتها بالعملة الأجنبية.

على أي حال، جاء العقد العراقي، ليعالج المشكلة بشكل ظرفي ومؤقّت لأنه يتيح التسديد بعد سنة من التسلّم. وتأسّس هذا العقد أيام الوزير وليد فياض في تموز 2021 ووقّع البلدان اتفاقية تقضي بتزويد لبنان بمليون طن متري سنوياً من زيت الوقود الثقيل. وهذا النوع من الوقود لا يتطابق مع المواصفات الفنية لمعامل الإنتاج في لبنان، ما دفع وزارة الطاقة إلى اعتماد آلية مُقايضة لاستبدال الشحنات العراقية بشحنات من الوقود المُطابِق للمواصفات.

جرى تجديد العقد أكثر من مرّة، أُولاها في عام 2023 مع زيادة الكمية إلى 2 مليون طن سنوياً، وفي تشرين الثاني 2024 أيضاً وافق العراق على سحب 1.5 مليون طن، وفي مطلع 2025 أقرّ مُلحقاً إضافياً لتأمين الكميات لستة أشهر أخرى للحفاظ على الحد الأدنى من التغذية الكهربائية. وبنتيجة هذا العقد وتجديداته، تراكم على لبنان مبلغ كبير من المال. فالواقع، أن لبنان لم يكن يدفع أي قرش من الفواتير العراقية رغم طول مهلة السداد.

وكانت آلية التسديد تقوم على «مقايضة غير نقدية» يفتح مصرف لبنان بموجبها حساباً ائتمانياً لصالح البنك المركزي العراقي بالليرة اللبنانية على أن تُصرف هذه الأرصدة حصراً داخل الأراضي اللبنانية مقابل خدمات محلية ولا سيما في مجالات الرعاية الصحية، والخدمات الطبية، والاستشارات. إلا أن هذه الآلية اصطدمت بتعقيدات هيكلية وقانونية؛ فلم يتمكّن لبنان من تقديم الخدمات الموازية، وتمنّع المصرف المركزي اللبناني عن فتح خطوط ائتمان جديدة غير مُغطّاة نقدياً. نتيجة ذلك، تحوّلت الشحنات إلى ديون سيادية متراكمة في ذمة الدولة اللبنانية لصالح العراق. أمّا في العراق فيقدّرون أن الالتزامات المالية غير المدفوعة اليوم تبلغ 2.7 مليار دولار، بينما تشير المعلومات في لبنان إلى أنها لا تزيد عن ملياري دولار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى