استراحات الترطيب: خدعة عالمية لكسب الارباح!

بين الاستعراض الكروي والآخر الإعلاني، تضيع نهائيات كأس العالم 2026 لكرة القدم، لكنها تعكس بالتأكيد سبب نقلها إلى الولايات المتحدة وجارتيها. هناك السوق الكبيرة، وهناك الأرباح الضخمة من الإعلانات، لذا لا مانع من إيقاف المباريات لسببٍ «صحي».
مشهدٌ ليس مألوفاً في تاريخ كأس العالم، إذ مع مرور الدقائق في أي مباراة، بات المشاهدون أمام حالة جديدة. ففي الدقيقتين الـ 22 والـ67 تقريباً، تتوقف المباراة لمدة 3 دقائق في إطار ما أطلق عليه الاتحاد الدولي لكرة القدم «استراحات الترطيب» (Hydration Break)، وهي خطوة قُدّمت على أنها إجراء يهدف إلى حماية اللاعبين من آثار الحرارة المرتفعة خلال البطولة.
ورغم أن «الفيفا» يؤكد أن هذه الاستراحات مرتبطة حصراً بصحة اللاعبين ولا تحقق أي إيرادات إضافية للاتحاد، فإن الجدل حولها لم يتوقف منذ انطلاق البطولة، وخصوصاً بعد تحوّلها إلى فرصةٍ مثالية لشبكات البث لعرض الإعلانات التجارية خلال المباريات.
رئيس «الفيفا» السويسري جياني إنفانتينو أشار مؤكداً أن استراحات الترطيب «مسألة رياضية بحتة» ولا ترتبط بأي مكاسب مالية إضافية للاتحاد الدولي. وأوضح أن تطبيقها في جميع المباريات، حتى تلك التي تُقام في أجواءٍ معتدلة أو داخل ملاعب مكيّفة، يهدف إلى توفير ظروفٍ متساوية لجميع المنتخبات المشاركة.
انتقاداتٌ وشكوك
لكن هذا التبرير لم يمنع ظهور انتقادات من بعض اللاعبين والمدربين والجماهير، فهناك من يرى أن التوقف المتكرّر يؤثّر في إيقاع المباريات ويحدّ من إحدى أبرز ميزات كرة القدم، وهي استمرارية اللعب من دون انقطاعات طويلة كما هو الحال في الكثير من الرياضات الأخرى.
المعالج الفيزيائي الدكتور إيلي متني قال لـ «الأخبار»: «الأكيد أن الطقس الذي تعيشه غالبية المدن المضيفة للمونديال حالياً لا يحتاج إلى أي استراحة، ولا حتى إلى دقيقةٍ واحدة، باستثناء بعض المباريات بسبب توقيتها أو المناطق التي تقام فيها». وأضاف: «حتى لو كانت هناك حاجة إلى استراحة ترطيب، فإن مدة الدقائق الثلاث تعتبر طويلة، فدقيقة واحدة تكفي لشرب المياه، وهذه النقطة أوضحها من خلال ما اختبرته في عملي مع اللاعبين ضمن ظروفٍ بيئية ومناخية مختلفة حول العالم».
الإعلان لمدة 30 ثانية على شبكة «فوكس» يتراوح بين 200 ألف و300 ألف دولار
أرباحٌ ضخمة
بالفعل تبدو مدة التوقف طويلة، إذ إن أجسام اللاعبين المحترفين تكون مهيّأة عادةً للتكيّف وخوض 45 دقيقة من دون توقف باستثناء اللعب في ظروفٍ صعبة جداً.
لذا تزداد الشكوك حول البُعد التجاري لهذه الخطوة بالنظر إلى القيمة الإعلانية الهائلة التي توفرها تلك الدقائق، إذ أشار خبراء في قطاع الإعلام الرياضي إلى أن الإعلان التلفزيوني لمدة 30 ثانية خلال مباريات كأس العالم على شبكة «فوكس» الأميركية يتراوح بين 200 ألف و300 ألف دولار، وقد يصل إلى 750 ألف دولار خلال مباريات المنتخب الأميركي أو في الأدوار النهائية.
وبناءً على هذه الأرقام، يمكن أن تولّد استراحات الترطيب وحدها من 42 مليون دولار إلى 156 مليون دولار، فيما تشير بعض التقديرات إلى أن السوق الأميركية قد تجني أكثر من 250 مليون دولار من الإعلانات المرتبطة بهذه الفواصل طوال البطولة.
ومع ذلك، يرى بعض المختّصين أن القضية تتجاوز الإيرادات المباشرة، فالعائدات المتوقّعة لكأس العالم 2026 تصل إلى نحو 8.9 مليارات دولار، منها حوالى 3.9 مليارات من حقوق البث التلفزيوني و1.8 مليار من عقود الرعاية والتسويق، وبالتالي، فإن الأموال الناتجة من استراحات الترطيب تمثّل جزءاً محدوداً من الصورة الاقتصادية الشاملة للحدث العالمي.
ويعتقد هؤلاء أن ما يحدث يعكس تحوّلاً أوسع في طريقة تقديم كأس العالم للجمهور، في ظل التغيّرات التي يشهدها قطاع الإعلام الرياضي عالمياً، إذ إن البطولة لم تعد مجرد منافسة كروية بل أصبحت منتجاً ترفيهياً متكاملاً يسعى إلى جذب المشاهدين والمعلنين في آنٍ واحد.
وتأتي استراحات الترطيب ضمن سلسلة من التغييرات التي أثارت نقاشاً واسعاً بين جماهير اللعبة، فقد واجه «الفيفا» انتقادات بسبب ارتفاع أسعار التذاكر واعتماد التسعير الديناميكي الذي رفع الأسعار تباعاً وشجّع «بطريقةٍ غير مباشرة» البيع في السوق السوداء، فيما تستعد البطولة أيضاً لاستضافة عرض فني ضخم خلال استراحة ما بين الشوطين للمباراة النهائية، على غرار العروض الشهيرة في «سوبر بول» كرة القدم الأميركية.
وفي وقت تتراوح فيه أسعار بعض تذاكر المباراة النهائية بين 25 و50 ألف دولار، يرى كثيرون أن كأس العالم يسير نحو نموذجٍ ترفيهي وتجاري أكثر وضوحاً من أي وقتٍ مضى.
أما «الفيفا»، فلا يزال مصرّاً على أن الأولوية تبقى لصحة اللاعبين وجودة المنافسة، لكن المعطيات والأرقام تفضح كل ما يقوله المسؤولون، إذ من الواضح أن استراحات الترطيب ليست ضرورة رياضية فرضتها الظروف المناخية، بل مؤشّر جديد على التحوّل المتسارع لكرة القدم من لعبةٍ شعبية إلى أداة ترفيهٍ تجارية.




