اخبار محليةالرئيسية

استهداف عين سعادة: غموض أمني وروايات متضاربة

عبد الله قمح - المدن

حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تتوصل أي من الأجهزة الأمنية اللبنانية إلى رواية متماسكة حول حادثة استهداف مسيّرة إسرائيلية لشقة في أعالي عين سعادة شرق بيروت. كل ما في الأمر أن الأجهزة باتت قريبة من حسم أن المبنى الذي استهدفته المسيّرة ليلاً بصاروخين انفجرا في إحدى شقق الطابق الثالث، وأدّيا إلى استشهاد المسؤول في حزب القوات بيار معوّض وزوجته. الاستهداف طال الطابق الثالث حيث شقة المغدور بشكل مباشر، وليس الطابق الرابع الفارغ الذي تضرّر على نحو واسع كما أُشيع.

كل التقارير الأمنية تميل إلى تأكيد أن الشقة التي جرى التداول بأنها المستهدفة في الطابق الرابع لم تكن مؤجرة. حتى أن الفحوص التقنية والمخبرية التي أجرتها مديرية المخابرات في الجيش اللبناني باستخدام أجهزة ووسائل متطورة لم تثبت وجود أحد في الشقة، رغم شيوع أنباء عن العثور داخلها على عبوات مياه معدنية ومسدس وكيس نوم. إلا أن مصادر مطلعة أكدت لـِ “المدن” أنه لم يُعثر داخل الشقة على شيء يُذكر من هذا القبيل. وفي ردها على ما أُشيع، شددت على أنه لو كان ما قيل دقيقاً، لكان سُلّم إلى الأجهزة الأمنية أو جرى تعميم صوره على وسائل التواصل لإثبات وجود أشخاص داخلها.

حتى رواية صاحب الشقة، التي جرى التشكيك بها بداية، والتي تفيد بأنه لم يقم بتأجيرها لأيَّة جهة، بدأت تتقدم على غيرها من الروايات، بل تجاوزت قضية الشاب الذي أظهرته كاميرات المراقبة وهو يفر من المكان بعد الغارة على دراجته النارية، والذي صُوّر على أنه الشخص الذي ربما يكون مستهدفاً، و”الغريب” عن منطقة ذات أكثرية مسيحية، ويكاد يكون مستحيلاً بيع أو تأجير “غرباء”.

وفي ما يتعلق بصاحب الدراجة، الذي أعاد بيان الجيش أمس تصويب روايته بوصفه الجهة التي تتولى التحقيق بإشارة من القضاء المختص، أشار إلى أن الشاب هو مجرد “عامل توصيل” (ديليفيري) صودف وجوده في المنطقة حين استهدافها وكان بصدد إيصال دواء لمريض. غير أن البيان بدا وكأنه يحاول التخفيف من ملابسات الحادثة، أو إخفاء سبب الزيارة الحقيقي، وفق شهادة سيدة من أهالي المنطقة قالت إن الشاب يتردد إلى شقة في المبنى بسبب علاقة تربطه بإحدى السيدات، وربما كان هذا سبب فراره بهذه الطريقة بعد الغارة خشية كشف هويته.

عملياً، تتمثل المفارقة في أن كاميرات المراقبة أظهرت الشاب الهارب مغطى بالغبار الناتج عن الغارة. وهذا ما ينقل الرواية، إلى جانب مسألة عدم تأجير الشقة، إلى منحى مختلف.

أما ما أُثير حول وجود سيارة جيب من نوع “شيروكي” تعود ملكيتها لشخصين من جنوب لبنان، فقد بقي خبراً ضعيفاً لا يرتقي إلى مستوى دليل عن “اختراق المنطقة”، في ظل احتمال بيع السيارة لشخص آخر، وهي فرضية واردة.

إسرائيل نفسها تحدثت، في بداية اليوم التالي للاستهداف، عن احتمال حصول خطأ في التشخيص أدى إلى الاستهداف، وهي مسألة نادرة في السلوك الإسرائيلي. حتى أن هذه الفرضية، جرى تجاوزها والعبور عنها لمصلحة تثبيت الفرضية الأولى القائمة على نظرية وجود قيادي من الحزب “زمط” ونجح من الفرار.

كل هذا الغموض الذي اكتنف العملية، إلى جانب طريقة التعاطي معها، يوحي بأن ما أُريد منها يتجاوز الجريمة بحد ذاتها. فليس من قبيل المصادفة سقوط مسؤول قواتي في المبنى مع زوجته، ضمن بيئة مسيحية بعيدة نسبياً عن بيئة مناصري الحزب.

في التقدير الأولي، يبدو أن ما جرى يحمل دلالات مقصودة، ويرتبط بمحاولة إسرائيلية لتسخين الوضع الداخلي اللبناني. لا يعني ذلك أن حادثة من هذا النوع ستؤدي مباشرة إلى حرب أهلية أو إلى ظهور سلاح وفوضى أمنية أوسع أو تعميق دعوات الأمن الذاتي، لكن يمكن اعتبارها حلقة في سياق رفع منسوب الاحتقان المدروس، وصولاً إلى انفجار أكبر تسعى إسرائيل إلى تهيئة ظروفه ليكون “زوادة” مرحلة ما بعد الحرب. وهو سياق لا يمكن فصله عن التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث صراحة عن رغبة في إغراق حزب الله في الوحل الطائفي اللبناني.

أخيراً، لا يخدم موقع عين سعادة، شرق بيروت، وابتعاده عن مناطق تماس مع بيئة الحزب التقليدية، فرضية وجود كادر عسكري تابع للحزب أو لغيره فيها. ذلك يخالف تماماً “الهندسة الأمنية” التي تفرض وجود منطقة دعم محاذية لمنطقة الاستقرار. كما أن المعطيات تشير إلى عدم تسجيل وجود كثيف للنازحين في المنطقة أو محيطها، خلافاً لما تم الترويج له، ما يعزز فرضية أن المنطقة ليست ضمن أولويات هذا النوع من الأنشطة.

في المحصلة، تبدو حادثة عين سعادة، عملية اسرائيلية فاشلة، لكن مخاطرها تبقى في تغذية الشحن الطائفي والمذهبي وإدخال لبنان في صراع داخلي جديد، لا بد من تفاديه.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى