خطيئة رجي السياسية.. بين التفريط بالأمن القومي وتجاوز الأصول الدبوماسية
خاص دايلي ليبانون

في توقيت مستغرب وبينما يواجه لبنان حرباً إسرائيلية شعواء إتخذت وزارة الخارجية اللبنانية “قراراً” بسحب الموافقة على اعتماد سفير جديد للجمهورية الإسلامية في لبنان وتم ابلاغ القائم بأعمال سفارة ايران في لبمان توفيق صمدي بالقرار الذي لاقى أصداءً سلبية في الداخل اللبناني باستثناء الفريق الذي يناصب ايران العداء تنفيذا لأوامر وأجندات المحور الذي يرتبط به خارجيا واقليمياً، ولم يعد سراً أن قرار الخارجية الذي يمكن وصفه بـ”الخطيئة السياسية” هو أقرب الى القرار الحزبي منه الى قرار سياسي صادر عن وزارة تابعة لدولة لديها مؤسساتها الدستورية وسلطاتها السياسية المناط بها اتخاذ الخطوات السياسية لا سيما تلك التي تتعلق بالسياسة الخارجية وعلاقة لبنان مع الدول والمجتمع الدولي بعيدا عن الأهواء لهذا السياسية لهذا الفريق او ذاك.
لكن المفارقة ان قرار الخارجية اللبنانية في ما خص سفير إيران في لبنان يأتي بعد تسجيل سابقة أمنية بالغة الخطورة تمثلت بقيام سفارة أوكرانيا في بيروت بإيواء أحد العملاء ويدعى خالد عايده، والذي ثبت تورطه بعمليات أمنية في لبنان، والمفارقة ان وزارة الخارجية لم تستجيب للكتاب المرسل اليها من قبل المديرية العامة للأمن العام اللبناني والتي طلبت منها اتخاذ الخطوات المنصوص عليها قانونا من اجل أن تقوم سفارة أوكرانيا في لبنان بتسليم لبنان العميل عايده الى الأمن العام، والتزمت الخارجية الصمت تجاه هذا المطلب الذي يرتبط بأمن لبنان القومي بالدرجة الأولى.
بينما لا يمكن فهم او تفسير خطوة قيام الخارجية باتخاذ قرار استبعاد السفير الإيراني في لبنان، وهذا ما يرسم علامة إستفهام كبرى حول الخلفية السياسية الكامنة وراء هذا القرار، في وقت يتم التهليل لقرار الخارجية ربما فات وزيرها يوسف رجي المحسوب على القوات اللبنانية أن النصوص التشريعية اللبنانية واضحة في هذا الخصوص، وهنا لا بد من الإضاءة على الجانب القانوني التي ترسم حدود الأصول الدبوماسية، لا سيما وأن السياسة الخارجية هي من اختصاص مجلس الوزراء مجتمعا ومن القضايا الميثاقية التي تحتاج الثلثين داخل مجلس الوزراء، كما أن رئيس الجمهورية الذي تناط به صلاحية اعتماد السفراء واعتمادهم، هو المسؤول عن الاتفافيات الدولية التي تعود في النهاية الى مجلسي الوزراء ثم النواب لاقرارها.
ووفقا للقوانين فإن وزارة الخارجية هي مؤسسة تابعة للسلطة التنفيذية وتناط بها الاعمال الاجرائية ذات الصلة وليس من صلاحيتها تقرير السياسة الخارجية للدولة اللبنانية، بحيث أن التعامل مع السفراء اعتماد او طردا او تعليق اعتماد او اعتباره شخصا غير مرغوب يعكس موقف السلطة التنفيذية اي الحكومة مجتمعة وضمنا رئيس الجمهورية لانه جزء من السلطة التنفيذية، وبالتالي لا يمكن لوزارة الخارجية بشخص وزيرها ان يتخذ أي قرار أو إجراء نزولا عند رغبة سياسية لجهة ما إقليمية أو دولية دون العودة الى المؤسسة التنفيذية بشكل مباشر.
كذلك وإنطلاقا من أن لبنان يعتمد النظام البرلماني وهو منشأ جميع السلطات ومصدر شرعيتها، ونظرا للخصوصية الميثاقية الطائفية في لبنان والتي بنيت على اساسها ووزعت جميع السلطات، فإن مجلس النواب يعتبر ضمنا جزءا من الممارسات السياسية التنفيذية، ونظرا لأن التعاطي مع سفير اي دولة مرتبط بطبيعة العلاقة معها فلا يمكن تفسير أي اجراء من قبل وزارة الخارجية اللبنانية في نطاق اداري تشغيلي فني خصوصا مع دولة اقليمية نافذة ومؤثرة في المنطقة وجدلية في لبنان مثل ايران.
إذا وبناء على ما تقدم لا يمكن لوزارة الخارجية اللبنانية اتخاذ قرار بهذا الحجم من دون العودة الى المرجعيات الدستورية المعنية، ولا يصح للجهات المختصة مثل رئاسة الجمهورية والحكومة مجتمعة أن تصمت عن هكذا اجراء، وكذلك رئاسة المجلس النيابي التي الشريكة الدائمة في اختيار السفراء حسب العرف الطائفي، بحيث يمكن لأحد التنصل من عواقب خطوة من هذا النوع،.
ومن هنا يمكن القول أن الوزير خارجية لبنان المفترض يوسف رجي يتصرف من تلقاء نفسه او استنادا الى نصوص ادارية مجردة في قرارات تؤدي الى ازمة خطيرة في الداخل اللبناني بالدرجة الأولى بشكل يهدد بقاء الحكومة بالدرجة الأولى ويسيء الى علاقة لبنان بالدول بالدرجة الثانية فهل من يسغي الى لغة العقل والمنطق بعيدا عن مفهوم “الكيد السياسي” الذي يمكن ان يؤدي الى نتائج لا تحمد عقباها ساعة لا ينفع عندها الندم.




