اعتداء اسرائيلي بيئي جنوباً… رش مبيد أعشاب خطير يقضي على الأعشاب والأشجار والغطاء النباتي
سلوى بعلبكي -النهار

لم يفاجأ اللبنانيون بإقدام إسرائيل على رش الأراضي والقرى المحاذية للحدود بمواد كيميائية محظورة دوليا، لإتلاف الأعشاب والنباتات بحجة إعاقتها المراقبة الميدانية لجنودها ومسيراتها. في المقابل، لم يقع الخبر بردا وسلاما على قوة “اليونيفيل” التي أصدرت بيانا شديد اللهجة والاستغراب.
فالمبيدات الكيميائية التي استعملها “الإسرائيليون”، ممنوعة دوليا في المناطق الحرجية والزراعية، لخطرها على الحياة البرية، وتسبب المترسبات المتبقية منها تلوث التربة والهواء والنبات والمياه الجوفية.
يضاف إلى ذلك المخاطر الصحية على من تبقى من مقيمين في المناطق المرشوشة أو عند تخومها. هذا التصعيد الجديد يضاف إلى سجل الاعتداءات البيئية الإسرائيلية، ويعيد فتح ملف خطير يتجاوز الطابع العسكري المباشر، ليطال سلامة الأرض والموارد الطبيعية، على نحو 5 ملايين ونصف مليون متر مربع، غالبيتها زراعية.
الخطوة “الإسرائيلية” لم تكن معزولة، إذ سبق إعلان دمشق أن طائرات إسرائيلية رشت مواد كيميائية ثلاث مرات متتالية في منطقة القنيطرة الأسبوع الماضي، قبل أن تنتقل الممارسات عينها إلى الجنوب، وهو ما دفع السلطات اللبنانية إلى التحرك سريعا لكشف طبيعة المواد المستخدمة وحجم ضررها، والتحوط من تداعياتها المحتملة.
وزير الزراعة الدكتور نزار هاني يؤكد لـ”النهار” أن الوزارة تسلمت حتى الآن عينة واحدة، على أن تصلها ثلاث عينات إضافية، لتنقل فورا إلى مختبرات بيروت، مشيرا إلى أن التحاليل ستبنى عليها الإجراءات اللازمة، ولافتا إلى “وجود احتمالات عدة لنوعية المواد المستخدمة، أبرزها أن تكون من المبيدات العشبية التي تؤدي إلى القضاء الكامل على الغطاء النباتي لأهداف عسكرية، عبر جعل المناطق المحيطة بالحدود جرداء وخالية من أي عناصر طبيعية”. وأوضح أن “الاعتداء طال 540 هكتارا”.
وكانت وزارة البيئة أعلنت أنها تلقت معلومات من بلدة عيتا الشعب ومحيطها عن مشاهدة طائرات إسرائيلية ترش مواد يشتبه في أنها مبيدات. وعلى الأثر، تواصلت وزيرة البيئة الدكتورة تمارا الزين مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، طالبة الحصول على عينات من المواقع التي تعرضت للرش، تمهيدا لتحليلها ومتابعة القضية علميا ورسميا.
وبحسب المعطيات الأولية الصادرة عن الجهات المعنية، تميل الترجيحات وفق هاني إلى أن المادة المستخدمة اسمها “الغليفوسات”، وهي مبيد أعشاب خطير يستخدم للقضاء على الأعشاب والأشجار والغطاء النباتي بمختلف أنواعه. وهذا المبيد محظور استخدامه في لبنان ودول الاتحاد الأوروبي، ولا يسمح به إلا بحدود ضيقة جدا في الولايات المتحدة.
وقد شملت العيّنات التربة والأشجار والأعشاب، وبدأت بالفعل مراحل الاستخلاص والتحليل المخبري، على أن تحسم النتائج النهائية بعد ظهر اليوم.
وتشير مصادر متابعة إلى أن هذا الأسلوب سبق توثيقه في تقارير متعلقة بما جرى بين إسرائيل وغزة، حيث استخدمت الطائرات نفسها والآلية عينها، في إطار سياسة تهدف إلى إنشاء مناطق عازلة خالية من أي غطاء نباتي أو مظاهر حياة، وهي مقاربة تحمل مخاطر بيئية جسيمة على التربة والمياه الجوفية والكائنات الحية والمزروعات.
وبالسؤال عن إمكان مقاضاة إسرائيل دوليا، يجيب هاني: “من حيث المبدأ، تُبلغ وزارة الزراعة وزارة الخارجية بكل هذه التفاصيل. كما أن التقرير السابق الذي أعددناه عن أضرار الحرب عموما، استنادا إلى تقرير البنك الدولي، أحيل على وزارة الخارجية. وقد لا تتقدم وزارة الخارجية كل مرة بشكوى رسمية، لكنها على الأقل تعدّ تقارير تُرفع إلى الأمم المتحدة لتوثيق هذه الانتهاكات المستمرة”.
وتكتسب هذه التطورات خطورة مضاعفة إذا ما وضعت في سياق الأضرار الزراعية المتراكمة. فقد أعدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بالتعاون مع وزارة الزراعة والمجلس الوطني للبحوث العلمية، تقريرا عن الأضرار الناتجة من العدوان الإسرائيلي الممتد من تشرين الأول 2023 إلى تشرين الثاني 2024، خلص إلى أن القطاع الزراعي في لبنان تكبد أضرارا مباشرة تقدر بنحو 118 مليون دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية غير مباشرة بلغت نحو 586 مليون دولار. وتركزت الأضرار في جنوب لبنان وسهل البقاع، وطالت المحاصيل الزراعية، والثروة الحيوانية، والغابات، والمصايد، وتربية الأحياء المائية.
وبحسب التقرير، فإن إعادة إعمار القطاع الزراعي وتعافيه يتطلبان تمويلا يناهز 263 مليون دولار، مع إعطاء أولوية للمرحلة الممتدة بين عامي 2025 و2026، بما يقارب 95 مليون دولار، في محاولة لوقف النزف وإعادة الحد الأدنى من القدرة الإنتاجية إلى المناطق المتضررة.




