
لا يزال مصير الانتخابات النيابية يكتنفه الغموض على رغم من توقيع وزير الداخلية العميد أحمد الحجار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في 3 أيار المقبل، الذي صدر في «الجريدة الرسمية»، وتحديده مهل تقديم تصاريح الترشيح والتراجع عنها، وعلى رغم من أنّ غالبية القوى السياسية تنادي بضرورة حصول الانتخابات واحترام مواعيد الاستحقاقات الدستورية.
من الواضح أنّ وزارة الداخلية تتعامل مع الاستحقاق الإنتخابي المفترض من الزاوية الإجرائية المحض، ووفقاً للآلية الإدارية الصرف، بمعزل عن التعقيدات السياسية والنيات المضمرة التي تحوط به.
ويمكن الاستنتاج، أنّ الوزير الحجار يريد من خلال القرارات التنظيمية – التقنية التي يتخذها، تبرئة ذمّته وحماية وزارته قانوناً، على قاعدة «اللهمّ إنّي بلّغت»، في ما يخصّ التقيُّد بالمهل الدستورية وتأمين البيئة اللوجستية الملائمة للعملية الانتخابية، تاركاً للمستوى السياسي أن يتحمّل مسؤولية أي تأجيل، سواء كان تقنياً أم أبعد من ذلك.
واللافت، أنّه بالترافق مع تحديد الحجار موعد انطلاق القطار الإنتخابي من محطته الأولى في مطلع أيار، ارتفع في بعض الأوساط السياسية منسوب التقديرات باحتمال إرجاء الإختبار الديموقراطي لفترة قد تمتد من شهرَين كحدّ أدنى إلى سنتَين كحدّ أقصى أو ما بينهما، فيما يبدو رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من بين أشدّ المصرّين على إجراء الإنتخابات في وقتها أو في تاريخ قريب إليه، إذا كان لا بُدّ من تأجيل تقني محدود، ذلك أنّ تمديد ولاية المجلس النيابي سيُشكّل انتكاسة لمسيرة العهد بالدرجة الأولى، وسيترك مردوداً سلبياً على صورته.
وإذا كان نواب كثر يتمنّون في قرارة أنفسهم التمديد، كلٌ لحساباته، من دون أن يجاهروا بذلك، فإنّ النائب أديب عبد المسيح، قرّر أن يفضّ مكنوناتهم وأن «يتقمّص» شخصية نقولا فتوش الذي كان يتطوّع، خلال وجوده في السلطة التشريعية، لتنفيذ العمليات السياسية الإنتحارية، من خلال تقديم اقتراحات قوانين بالتمديد للمجلس كلّما تقاطعت ضمناً المصالح بين اللاعبين الكبار حول هذا الأمر.
واليوم، يُعيد التاريخ نفسه مع عبد المسيح، الذي تطوّع ليحمل وزر الدعوة إلى التمديد نيابة عن غالبية زملائه، مقدّماً اقتراح قانون لتأجيل الإنتخابات ما بين شهرَين وسنة واحدة.
وإلى حين اتضاح مسار هذا الاقتراح وحقيقة موقف القوى الوازنة منه، يؤكّد مصدر مطلع في «التيار الوطني الحر» لـ«الجمهورية»، أنّ التيار يعارض أي إرجاء للإنتخابات النيابية، حتى لو كان تقنياً فقط ولا يتعدّى حدود الشهرَين.
ويلفت المصدر إلى أنّ «التيار» يتمسك بإجراء الانتخابات في موعدها في أيار المقبل انطلاقاً من اعتبارَين:
الأول، مبدئي ويرتكز على ضرورة التقيُّد بأحكام الدستور وعدم التلاعب بمواعيد الاستحقاقات الديموقراطية تحت أي ذريعة أو حجة كانت.
والثاني، مصلحي، إذ إنّ «التيار» ليس معنياً بتقديم هدايا مجانية لخصومه والقبول بتأجيل الإنتخابات إلى موعد آخر يناسبهم ويكون مفصَّلاً على قياسهم، سواء بعد فترة طويلة أو حتى الصيف فقط، حيث سيوظّفون الإمكانات التي يملكونها لنقل مناصريهم من دول الإغتراب إلى لبنان، سعياً إلى تعديل الأرقام والتأثير على النتائج النهائية.
كذلك، يلفت المصدر إلى أنّ هناك أربعة مقاعد نيابية كانت أصلاً ضمن حصة التيار، لكنّه فَقَدها بعدما خرج أصحابها من صفوفه، وبالتالي هو يتمسك بحصول الإنتخابات في موعدها حتى يستعيدها كلّها أو بعضها.
ويشير المصدر إلى أنّ استطلاعات الرأي التي أجراها التيار خلال الآونة الأخيرة لقياس مزاج الرأي العام المسيحي، أظهرت أنّ التأييد الشعبي له زاد عمّا كان عليه في انتخابات عام 2022، وبالتالي فإنّ العيّنات المستطلعة تُبيِّن أنّه سيحظى هذه المرّة بنسبة أصوات أكبر من تلك التي نالها قبل أربع سنوات.
ويعتبر المصدر، أنّ سبب التحسن في شعبية «التيار البرتقالي» إنّما يعود إلى كون الناس اكتشفوا حقيقة التضليل الذي تعرّضوا له عقب حراك 2019، وما رافقه من تحميل لرئيس الجمهورية آنذاك العماد ميشال عون والوزير جبران باسيل مسؤولية الإنهيار، في حين أنّ الحقيقة هي أنّ المنظومة المتحكّمة بمفاصل الدولة منذ عقود هي التي تسبّبت عبر تراكم فسادها وإخفاقاتها في هذا الإنهيار.




