الرياض تفصل بين الدولة والسياسيين وتُعيد تعريف شروط العلاقة
طارق ترشيشي- الجمهورية

وضعت ظاهرة الأمير السعودي الوهمي «ابو عمر» لبنان الذي اعتاد على استخدام العلاقات الإقليمية كورقة داخلية، أمام اختبار صعب: كيف يمكن للسياسيين اللبنانيين أن يقدّموا أنفسهم شركاء محتملين مع المملكة العربية السعودية، بينما يعتمد بعضهم على وساطات وهمية أو ادّعاءات ملفقة؟ في الوقت الذي تذهب المملكة إلى التعاطي مع الواقع اللبناني بإسلوب جديد.
لم تكن ظاهرة «أبو عمر» مجرد خدعة إعلامية، بل مرآة حقيقية لأزمة صدقية في السياسة اللبنانية، وقد أظهرت هشاشة الخطاب السياسي، وغياب معايير التمييز بين الواقع والمناورة، بين الدعاية الانتخابية والعلاقات الديبلوماسية الحقيقية.
ومنذ انكشاف هذه الظاهرة، اعتمدت المملكة سياسة الوضوح الكامل والاعتماد على القنوات الرسمية فقط. الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان والسفير وليد البخاري اعتمدا مقاربة مزدوجة: تجاهل كل ما لا يصدر عن الدولة اللبنانية رسمياً، وفي الوقت نفسه، توجيه إشارات صارمة إلى كل من يحاول الإدّعاء بعلاقة أو تأثير وهمي.
وهذا الأسلوب يوجّه رسالة مزدوجة: أولاً، إنّ المملكة لا تقبل بأي اختراقات أو وساطات وهمية. وثانياً، إنّ الإدّعاءات الملفقة لن تعوّض الأداء السياسي الواقعي أو الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية.
وقد تعامل الأمير يزيد بن فرحان مع الظاهرة بطريقة هادئة وحازمة في الوقت نفسه، لم يدخل في مواجهات مباشرة أو اتهامات هجومية، لكنه ترك أثره عبر اللقاءات الرسمية والرسائل غير المباشرة: «السعودية لا تعترف إلّا بالقنوات الرسمية، وأي محاولة لاستغلال اسم المملكة ستنكشف عاجلاً أم آجلاً». وهذا الموقف لم يكن تراجعاً، بل شكّل أداة ضبط دقيقة، ترسّخ قاعدة واضحة: السياسة السعودية في لبنان لا تقوم على الدعاية، بل على الصدقية والحقائق الملموسة.
من جهته، السفير البخاري عمل في اتجاه إعادة ضبط البوصلة السياسية، حيث لعب دوراً محورياً عبر ترسيخ معايير واضحة للتواصل السياسي والديبلوماسي. فأي ادّعاء بعلاقة مع المملكة عبر وسطاء وهميين، بحسب لقاءاته مع القيادات السياسية والدينية، هو خداع سياسي يضرّ بصدقية الشخص داخلياً وخارجياً. وبهذه الطريقة، كرّست السعودية نهجها: الدولة والمؤسسات فقط، والسياسيون الذين يلجأون إلى الادعاءات سيواجهون عزلة فعلية.
السياسيون الذين تورطوا أو تمّ تضليلهم في ظاهرة «الأمير الوهمي» وجدوا أنّ الأمير يزيد يتعامل معهم بحزم ودهاء ديبلوماسي. لم يكن هناك مواجهات أو تصريحات هجومية، بل رسائل واضحة ضمنية وصريحة: المملكة لن تمنح غطاءً لأي سياسي اعتمد على وساطات وهمية أو ادّعاءات ملفقة.
وقد جاء هذا التصرف السعودي انتقائياً وحذراً: من أبدى استعداداً لفهم قواعد العلاقة والاعتماد على القنوات الرسمية، بقيت الخطوط مفتوحة معه ضمن حدود الديبلوماسية. ومن استمر في الادّعاءات أو استغلال اسم المملكة لأغراض انتخابية أو تسويقية، تمّ التعامل معه بصمت عملي شديد، ليكون عبرة لكل من يفكر في تكرار السلوك نفسه.
وبهذا الأسلوب، جمع الأمير يزيد بين الحزم والديبلوماسية الهادئة، حافظ على سمعة المملكة، وفي الوقت نفسه، اختبر صدقية السياسيين اللبنانيين وقدرتهم على الالتزام بالمعايير الدولية والديبلوماسية.
وقد كشفت ظاهرة «الأمير الوهمي» هشاشة خطاب عدد من السياسيين اللبنانيين الذين يكثرون من الحديث عن «تحالف استراتيجي» مع السعودية، فيما هم يعتمدون في الواقع على ادّعاءات زائفة أو وساطات وهمية لتجميل صورهم داخلياً. والأدهى، أنّ معظم هؤلاء لم يصدر عنهم أي توضيح او تصحيح أو اعتذار، ما جعلهم في موقف سياسي متهافت ومضلّل أمام الشعب اللبناني والخارج. وهذه الإزدواجية تعرّي خطابهم الانتخابي، وتهدّد أي علاقة مستقبلية بالمملكة.
وفي تقدير بعض الأوساط الديبلوماسية، انّ التعامل السعودي المستقبلي مع السياسيين اللبنانيين سيكون على خطين:
ـ مع السياسيين اللبنانيين عموماً سيكون التعامل بمعيار الدولة والمؤسسات الرسمية فقط. وأي ادّعاء بتحالف أو تأثير سيُقاس بما إذا كانت العلاقة قائمة على أفعال وقرارات ملموسة، وليس على ادّعاءات أو وساطات وهمية. وأي مناورات إعلامية أو ادّعاءات ملفقة ستُعامل كاختبار للجدّية، وسيتمّ التعاطي معها بصمت أو تجاهل بعيداً من أي غطاء سياسي.
ـ مع المتورطين في ظاهرة «الأمير الوهمي» سيتمّ الفصل بين الدولة وبينهم، وسيُتعامل معهم كمخالفين للمعايير، ولن يُسمح لهم بالاستفادة من أي قناة رسمية سعودية، وستُعتبر محاولاتهم السابقة تنبيهاً صارماً، بأنّ أي ادّعاء مماثل في المستقبل سيؤدي إلى عزلة سياسية وفقدان صدقية كاملة.
وفي أي حال، ومع اقتراب موسم الانتخابات النيابية المقرّرة في ايار المقبل، تصبح هذه الرسائل أكثر وضوحاً وأهمية. السياسيون الذين يزعمون التحالف مع السعودية ويستخدمون اسمها في الحملات الانتخابية سيقعون في فخ مزدوج: داخلياً، حيث سيفقدون صدقيتهم أمام ناخبيهم ويصبحون عرضةً للافتضاح. وإقليمياً، حيث تؤكّد المملكة أنّ أي علاقة حقيقية لا تقوم على الشفافية والصدقية والممارسة الواقعية، لن تستحق الدعم أو الاعتراف السياسي.
وفي المحصلة، قد تكون ظاهرة «أبو عمر» انتهت عملياً، لكنها كشفت أزمة حقيقية: السياسيون أمام المرآة، وعليهم مراجعة أدواتهم وخطابهم قبل أي خطوة انتخابية أو سياسية. أما المملكة العربية السعودية، فقد كرّرت تأكيدها أنّها تتعامل مع الدولة ومؤسساتها، لا مع الإدّعاءات أو المناورات الشخصية. وفي لبنان المعقّد، حيث تختلط الأوهام بالمصالح، تبقى الرسالة واضحة: مَن يريد علاقة حقيقية مع السعودية، عليه أن يثبت صدقيته أولاً، قبل أن يحلم بالاعتراف السياسي أو التحالف الاستراتيجي. وإنّ المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد الانتخابات، ستكون فرصة لاختبار جدّية السياسيين اللبنانيين والتزامهم بمعايير الوضوح والصدقية في علاقاتهم مع الخارج.




